قيل :
إنّ الظلم إنّما يلزم لو كان تصرّفا في ملك غيره ، وأمّا إذا كان العباد كلّهم عباد اللّه تعالى فلا عليه أيّا ما يفعل ، فله أن يخلق بدل المعاصي العقاب كما يخلق بدل المرض الموت ، ولا شيء يمنع عنه ، ولا يسأل عمّا يفعل .
وأيضا يجوز أن يكون العقاب للعزم الّذي صار سببا لخلق اللّه المعاصي وإن لم يكن العزم مطلقا ممّا يصلح لأن يكون مؤدّيا إلى العقاب ، كما يقول السيّد لعبده : لا تسألني كذا ، فإنّك إن سألته أعطيتك وضربتك ، فإذا سأل فأعطاه فضربه لم يعدّ ظلما ، فإنّه ليس مجبورا ، إذ يمكنه أن لا يسأل ، فكذا هنا نقول : إنّ اللّه تعالى قال لعباده : لا تعزموا على كذا وكذا ، فإنّكم إن تعزموا عليه فعلته لكم وعذّبتكم عليه ، فإذا عزموا على معصية ففعلها اللّه تعالى لهم ، فعذّبهم ، لم يعدّ ذلك ظلما ، فإنّهم ليسوا مجبورين على ذلك ، إذ يمكنهم أن لا يعزموا فلا يعذّبوا .
لا يقال : إنّ العزم أيضا مخلوق للّه تعالى عندكم ، فيلزم الجبر لا محالة ، إذ لا يمكنهم حينئذ أن لا يعزموا .
لأنّا نقول : إنّ العزم منشؤه الشهوة والغضب ، وهما وإن كانا مخلوقين للّه تعالى إلّا أنّهما لا يلجآن صاحبهما إلى العزم ، ليلزم الجبر .
هذا . . . وأقول : فيه وجوه من الكلام :
أمّا أوّلا : فلأنّ هذا المتبلّد الغبيّ لم يفهم معنى الظلم ولذلك ظلم عن الحق ، فإنّ الظلم لا معنى له إلّا وضع الشيء غير موضعه - على ما صرّح به أهل اللغة ، ويشهد به العرف - سواء كان في ملك الظالم أو ملك غيره ، فما لحسه من أنّه تعالى إنّما يتصرّف في عباده ، وتصرّف الشخص في ملكه ليس بظلم أنجس ممّا لحسه شيخه شيخ الأبالسة ، ألم ينظر إلى قوله تعالى :
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
« 1 » و
مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ
« 2 » ومن البيّن الضروري عند كلّ ذي بصيرة أنّه لا يجوز مثل هذا الكلام إلّا إذا سمّي الجور على العباد ظلما ، ولكن العمّة البصائر والأبصار صمّ عن آيات اللّه العزيز الجبّار .
وأمّا ثانيا : فلأنّ المرض والموت إنّما هما عدميّان ، ليسا ممّا يمكن أن يقال : خلقه اللّه
هامش
( 1 ) آل عمران : 182 ، الأنفال : 51 ، الحجّ : 10 .
( 2 ) غافر : 31 .