كونها أسبابا له ، فكذا نقول في قدرة العبد : إنّها سبب لصدور الفعل عن اللّه تعالى ، ولا محذور .
أقول : الآن حصحص الحقّ من خاصرة الباطل ، وسطعت غرّة الصدق من جبين الكذب المتناقل ، فإنّه لا يشكّ عاقل في أنّه لا يقال لهذه القوى : إنّ هذه الأفعال اختياريّة لها ، فإذا كانت نسبة قدرة العبد إلى أفعاله كنسبتها إلى أفعالها لزم أن لا يكون أفعاله أيضا اختياريّة للعبد ، وهل هذا إلّا ما ألزمناه عليهم ؟
ثمّ انظر إلى ما في كلامه من الاضطراب والتشويش ، فإنّه شبّه قدرة العبد بالقوى في السببيّة ، فينبغي أن تكون قدرة العبد مثلها في نسبة الفعل أيضا ، أي يقال : إنّ قدرة العبد هي الفاعلة ، كما يقال : إنّ هذه القوى هي الفاعلة ، باعتبار أنّ كلّا منهما سبب .
وأمّا نسبة الفعل إلى العبد الّذي له القدرة فكنسبة التغذية إلى البدن أو النفس الّذي له القوّة ، فكما لا يقال : إنّ المغذّي هو البدن أو النفس مع أنّ السبب موجود ، فكذا ينبغي أن لا يقال : إنّ الفاعل هو العبد ، وإلّا فما الفرق بينهما .
ثمّ انظر إلى افترائه حيث قال : « مع أنّها ليست بصادرة عنها عند المعتزلة وغيرهم » ألم يستبن له أنّ من أثبت هذه القوى من العدليّة قال : إنّ هذه الأفعال صادرة عنها بلا تجوّز ولا مرية في ذلك قطعا ، إنّما ينفيه عنها من نفاها .
والثاني من الدلائل :
إنّه لا يشكّ عاقل في أنّه يصحّ منّا أن نشكر المنعم علينا المحسن إلينا ، ولا شبهة في أنّ الشكر ليس إلّا على الفعل دون المحلّية أو العزم أو السببيّة ، وإلّا لجاز شكر المنعم - اسم مفعول - فإنّه محلّ ، وشكر العازم على الإنعام الّذي تظهر علامة عزمه بوجه آخر غير الإنعام ، وشكر الإكرام الّذي صار سببا للإنعام ، والكلّ ظاهرة الفساد .
والثالث :
أنّه لو كانت أفعالنا صادرة عن اللّه تعالى لكان أمرنا ونهينا عبثا بل سفها ، فإنّ أحدا لا يأمر غيره بفعل نفسه .
ولا يمكن أن يقال : إنّ الأمر والنهي يتعلّقان بالعزم ، فإنّا نعلم ضرورة أنّ العزم على المعصية ليس معصية ، فلو كان منهيّا عنه لكان معصية .
والرابع :
إنّه لو كان الفاعل للأفاعيل هو اللّه تعالى لكان يجب أن تنسب إليه تعالى ،