فإن قيل : إنما يكون هذا التأويل مقبولا إذا كان الكلام متعلّقا بعضه ببعض ، لا سيما كلام الإله جلّ اسمه .
فالجواب : أن المعقول « 1 » إذا حكم باستحالة بقاء اللفظ على ظاهره ؛ وجب تأويله .
فالتأويل إذا : صرف اللفظ [ عن ] « 2 » ظاهره « 3 » - كما ذكر - وحمله / على ما هو جائز الإرادة . فحينئذ لا يبقى للمتعلق بظاهره حجة ، لمخالفة المعقول وإمكان التأويل .
ونحن الآن نبيّن عدم تباين كلمات هذا النص ، وحملها على ما هو سائغ الإرادة ، على حكم ما أوّلناه ، فنقول :
قد ثبت أن الحقّ - جلّ اسمه - هو الذي يضيء بنوره على كل إنسان آت ، ويكشف له به غطاء كل خفيّة ، وذلك مصرّح به في هذا النص ، بقوله :
« ليشهد للنور الذي هو نور الحق الذي يضيء لكل إنسان » .
قوله : « في العالم كان » هذا يصلح أن يكون وصفا للنور ، ويصلح أن يكون وصفا للحق - جلّ اسمه - لأن هداية / اللّه تعالى وإيضاحه لكل خفي ، وكشفه الغطاء عن كل شبهة ، لم يزل ذلك ثابتا في العالم .
قوله : « والعالم به كوّن » هذا وصف للحق « 4 » - جلّ اسمه - وقد صرّح في أول الفصل بقوله : « كلّ به كان » .
فليت شعري ؛ أي عذر لمن يحمل هذا على عيسى عليه السلام مع هذا التصريح ، وهو قوله في أول الفصل : « وبغيره لم يكن شيء مما كان » .
قوله : « إلى خاصيّته جاء » أي : إلى خاصية الحق ظهر نوره الذي هو عبارة عن هدايته وإرشاده ، إذ بنوره يهتدي كل مهتد ، والمراد / بمجيء النور هاهنا : ظهوره ، لأن وصف المعاني بالمجيء محمول على ظهورها .
قوله : « وخاصّته لم تقبله » . المراد بالخاصة : من دعي للهداية . أي :
هامش
( 1 ) في المطبوع : [ العقول ] .
( 2 ) في الأصل : [ على ] ، وصحّحت في الهامش .
( 3 ) سبق تعريف التأويل والكلام عليه ، فلينظر في موضعه .
( 4 ) في المطبوع : [ لحق ] .