فهذه كلها منافية للإلهية .
وكيف ينكر ذلك ؟ وفي إنجيل مرقص : « وفي الغد خرجوا من بيت عنيا « 1 » ، فجاع ونظر إلى تينة من بعيد ، وعليها ورق ، فجاء إليها ليطلب فيها / ثمرة ، فلما جاءها لم يجد عليها شيئا إلا ورقا فقط ، لأنه لم يكن في زمن التين » « 2 » .
صرّح في هذا النص بإحساسه بالجوع ، وظنّه الشيء على خلاف ما هو عليه ، لأنه ظن أن عليها ثمرة ، فأخلف ظنه ، وظن أن الزمن زمن التين ، أو ظن أنها تثمر في غير زمن التين ، وكلاهما ظنّ غير مطابق .
فإن قيل : فأي فائدة في تعطيل الشجرة ؟
قلنا : إنما فعل ذلك ليثبّت تلامذته على إيمانهم ، وليرغّبهم في الازدياد من الأعمال التي يكون مثل هذا الفعل من بعض نتائجها ، لأن الأنبياء والأولياء حين / وعدوا بالجنة ، إنما وعدوا بها محفوفة بالمكاره « 3 » ، ومكابدة الجوع ، والرضى به ؛ من المكاره الشديدة .
ومكابدة المكاره ربما يقلّ معها عصام التقوى من العارفين ، وتغلب
هامش
( 1 ) في المطبوع : [ عينا ] .
وبيت عنيا ؛ مكان قريب من أورشليم بنحو ميلين ، انظر : إنجيل يوحنا - الإصحاح الحادي عشر - ( 18 ) .
( 2 ) انظر : إنجيل مرقس - الإصحاح الحادي عشر - ( 12 ، 13 ) .
( 3 ) كما ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « حفّت الجنة بالمكاره ، وحفّت النار بالشهوات » . أخرجه مسلم برقم ( 2822 ) وأحمد ( 3 / 153 ) والترمذي ( 2559 ) من حديث أنس بن مالك . وأخرجه البخاري ( 6487 ) ومسلم ( 2823 ) وأحمد ( 2 / 380 ) من حديث أبي هريرة .
ومعنى الحديث : أن الأعمال الصالحة من الواجبات ومجاهدة النفس والصبر عليها سببا لاختراق حجاب الجنة كما وقع عند البخاري بلفظ : « حجبت » بدل حفت ، وأطلق على هذه الأعمال لفظ المكاره ؛ لأن المرء يجاهد نفسه بفعل هذه الأمور ، فتكون سببا لدخول الجنة .
والمراد بالشهوات : ما يستلذ من أمور الدنيا مما منع الشرع من تعاطيه ، فمن ارتكبها اقتحم حجاب النار فدخلها ، نسأل اللّه العافية .
انظر : « فتح الباري » ( 11 / 327 - 328 ) و « شرح صحيح مسلم » للنووي ( 17 / 165 ) .