ارتسمت في أذهانهم صور منذ صغرهم ، واستمرت بهم الغباوة « 1 » إلى أن صار ذلك فيهم ملكة .
فهذه الطائفة برؤها من دائها عسير / .
وطائفة لهم أدنى معقول ، وقد ألمّوا بيسير من العلوم ، فتجدهم ناكصين عن هذا المعتقد ، لا يسامحون أفكارهم بمقاربته ، يعوّلون تارة على تقليد الفيلسوف « 2 » في مسألة الاتحاد لإعظامهم ما يؤدي إليه من هدم قواعد تظافر على ثبوتها صرائح العقول ، فارّين من هذه المعضلة إلى التقليد المحض ، معتقدين أن الفيلسوف قد حاول العلوم الخفيّة ، فأبانها جليّة مبرهنة . ظانّين بأن من هذا شأنه جدير بأن يعوّل على أقواله ، وتقلّد « 3 » في المعتقدات ! فلذلك ينفصلون عن مسألة الاتحاد « 4 » بردّها إلى مسألة تعلّق النفس بالجسد / .
ولو راجع هؤلاء المساكين عقولهم وتركوا الهوى والتعصب ، لعلموا أنهم قد نكبوا عن محجة الصواب ، وأخطئوا سبيل الحق لوجوه :
أحدها : أنهم إن جعلوا ذلك من قبيل القياس ، فغلط ، لأن القياس « 5 » :
« ردّ فرع إلى أصل بعلة جامعة هي مناط الحكم » .
هامش
( 1 ) في المطبوع : [ البغوة ] ولعلّه خطأ مطبعي .
( 2 ) قال الشهرستاني : « الفيلسوف هو : فيلاسوفا ، وفيلا هو الحب ، وسوفا هو الحكمة ، أي : هو محب الحكمة . والفلسفة باليونانية : محبة الحكمة . « الملل والنحل » ( 2 / 363 ) .
( 3 ) في المطبوع : [ ويقلد ] .
( 4 ) الاتحاد عند النصارى ، هو : أن اللّه - تبارك وتعالى - اتخذ جسد المسيح له صورة ، وحلّ بين الناس بصورة إنسان هو المسيح - تعالى اللّه عما يقولون .
والاتحاد نوعان :
1 - اتحاد عام ، وهو الذي يعتقده الحلوليون ، ويزعمون أن هو عين وجود الكائنات .
2 - اتحاد خاص : وهو قول النصارى وبالأخص منهم اليعقوبية : أن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا وصارا شيئا واحدا .
انظر : « دراسات في الأديان » ص 218 . و « معجم ألفاظ العقيدة » ص 20 ، 21 .
( 5 ) القياس لغة : التقدير للشيء بما يماثله . انظر : « لسان العرب » لابن منظور ( 6 / 187 ) .
وأما في الاصطلاح ؛ فقد اختلفت تعبيرات الأصوليين في تعريفه . وقد عرفه الآمدي بأنه :
« حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما ، أو نفيه عنهما ، بأمر جامع بينهما » . انظر :
« الإحكام » ( 2 / 4 ) وهو عين تعريف الغزالي ، ولكنه زاد عليه : « من إثبات حكم أو صفة أو -