قالوا : النقل المتواتر انما يوجب العلم إذا وقع وحصل ، وقد يجوز أن يقع العدول عنه لشبهة أو عمد ، وقد يجوز فيما نقل بالتواتر أن يضعف نقله فيصير في الآحاد الذين لا حجة في نقلهم ، فلا بدّ من تجويز ما ذكرناه من الحفظ الذي يؤمن منه كل ذلك .
وإذا قيل لهم : جوّزوا أن يكون اجماع الأمة يحفظ الشريعة .
قالوا : الاجماع أيضا كما يجوز أن يقع يجوز أن يرتفع ، فمن أين لا بدّ من ثبوته في كل حكم من أحكام الشريعة . على أنا بالامتحان نعلم أن الاجماع في الشريعة على القليل والاختلاف في الكثير .
وبعد ، فإذا لم يثبت وجود امام « 1 » معصوم في كل زمان ، لا يكون الاجماع حجة ولا فيه دلالة ، لأن العقل يجوّز الخطأ على الأمة « 2 » فرادى ومجتمعين ، فليس في السمع الذي يدّعى من قرآن ولا خبر ما يؤمن من اجتماعهم على الخطأ .
أمّا القرآن فأقوى ما تعلقوا به منه قوله تعالى
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً
« 3 » وقوله تعالى
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
« 4 » .
فأمّا الآية الأولى فالتعلق بها يبطل من وجوه : أوّلها : أن لفظ « المؤمنين » معرّض للخصوص والعموم ، وليس بأن تحمل على أحدهما أولى من الآخر ، فمن أين وجوب القول بعمومه ؟ وإذا كان عاما فظاهره يقتضي دخول كل مؤمن فيه في جميع الأوقات إلى يوم القيامة ، فمن
هامش
( 1 ) في ه « إمامة » .
( 2 ) في النسختين « عن الأمة » .
( 3 ) سورة النساء : 115 .
( 4 ) سورة البقرة : 143 .