2 - النّقطة الرّئيسية في خطأ الجبريين
إنَّ النّقطة الرّئيسية التي غفل عنها الجبرية هي أنَّ القضية ليست قضية « الدّوافع » و « العلل الناقصة » ، بل هي قضية « العلة التّامة » وبعبارة أخرى ، لا أحد ينكر تأثير « المحيط » و « الثقافة » و « العوامل الاقتصادية » في تفكر الانسان وأفعاله . ولكن القضية هي إنَّنا مع كل تلك العوامل نظل قادرين على اتخاذ القرار بغير إجبار ، بل بمحض اختيارنا .
نحن ندرك بكل جلاء بأننا حتى لو كنا بيئة طاغوتية منحرفة ، مثل النظام الطّاغوتي الشاهنشاهي ( في إيران ) سابقاً ، حيث توفرت كل وسائل الانحرافات ، لم نكن مجبرين على الانحراف ، وفي ذلك المحيط وتلك الثقافة كنا نستطيع أنْ لا نرتشي ، وأنْ لا نرتاد بؤر الفساد ، وأنْ لا نحيا حياة متحللة .
لذلك علينا أنْ نفصّل بين « الظّروف » و « العلة التّامة » .
ولهذا كثيراً ما نرى أشخاصاً ترعرعوا في محيط عائلي مرفه ، أوفي محيط اجتماعي منحط ، أو أنَّهم ورثوا موروثات سيئة ، ومع ذلك فإنَّهم فصلوا طريقهم عن طريق الآخرين . بل ثار بعضهم حتى ضد المحيط الذي عاش فيه . فلو كان الانسان ابن محيطه وثقافة زمانه وإعلام عصره ، لكان على الجميع أنْ يخضعوا لذلك المحيط ، ولما كانت هناك أية ثورة ضد المحيط في محاولة لتغييره .
يتضح من هذا أنَّ العوامل المذكورة ليست عوامل مصيرية حاسمة ، بل هي عوامل ممهدة ، فالمصير الأصل هو الذي يصنعه الانسان بإرادته وقراره ، وهذا أشبه ما يكون بحالنا في عزمنا على الصيام في صيف قائظ حارق ، فإنّ كلّ ذرّة في كياننا تطلب الماء بالحاح ، ولكننا إطاعة لأمر اللَّه ، نتغاضى عن كلّ ذلك