حكم ليست بالتي تستطيع ان تخل بقاطعيته في نظر العقل .
فلنفرض أن هكذا عقول وعقلاء موجودون ، وأن لهم حججا على دعوى الإمكان رغم ما نحيله الآن ، فعقولنا هي التي تزيّف حججها وأحكامها عندئذ كما تزيفها الآن .
وكما أننا لا نصدقكم ، أنتم الماديين ، في دعوى أزلية المادة ، رغم براهينكم المزعومة ، ولا تنفصم بحكمكم وبرهانكم ! عرى حكمنا القاطع العقلي باستحالة أزلية المادة ، وضرورة وجود المجرد وراء المادة ، الخالق لها .
كما اننا لا نصدقكم ولا نحتمل الصدق في دعواكم هذه ، كذلك لن نصدق أو نحتمل الصدق في الحكم بالامكان ، من أي حاكم كان ومع أي برهان ، إذ نقطع بالامتناع قطعا ضروريا لا مرية فيه ، وحكما باتا لا نحتمل خلافه .
هذا ، لو كان لهكذا عقل وهكذا حكم واقع ، فكيف بالمفروض وجوده والمحتمل حكمه !
ثانيا : إننا لا نحكم الآن ، وليس لنا ان نحكم ، إلا حسب عقولنا الموجودة المحققة الآن ، لا عقول من سوانا ، ولا المفروضة لنا ، فإنما الحاكم بتصديق حكم الغير أو غير هذا الحكم أو احتماله ، انما الحاكم هنا وهناك هي عقولنا الحالية ، لا سواها ، وهي تحيل اجتماع وارتفاع النقيضين ، وتزيّف كل حكم يتنافى وإياه ، فلا تحكم عقولنا ، على أية حال ، إلا بما ترى ، لا ما تراه غيرها من عقول ، ولا المفروض وجودها .
فاحتمال الامكان في اجتماع وارتفاع النقيضين ، لا تنتجه تلكم الفروض ، إذ الحكم به ليس يصدر الآن إلا من عقولنا ، ولكنها تحيله ولا تحتمله اطلاقا !
ثالثا : لا يخلو امر هذه العقول المفروضة ، لنا أو لسوانا ، من : أنها تدرك معني التناقض فتجوّزه ، أم لا تدركه ؟
حوار بين الإلهيين والماديين — صفحة 47
مساهمون: محمد الصادقي
ص٤٧