خلق الدنيا وما فيها عبثا - تعالى اللّه عن ذلك .
ألا ترى أن إنسانا لو بنى دارا وأكملها ، فلما تمّت وكملت هدمها لغير معنى ، ألا ترى أنه يكون عابثا ؟ فإن هدمها لفساد فيها ، أو لأن يعمر « 1 » خيرا منها أن ذلك يكون منه حسنا ، فلو لم تكن دار غير هذه الدار ، يثاب فيها الأبرار ، ويعاقب فيها الفجار ، لكان ذلك ضد العدل والحكمة ، وكان عبثا - تعالى اللّه عن ذلك - فصحّ أن الآخرة آتية لا شك فيها ولا ريب ، ولا خلف ولا كذب .
واعلم أن للنشور بعد الموت دليلين مبيّنين ، وشاهدين في الشاهد منيرين وهما : استيقاظ النائم بعد النوم من المنام ، وحياة الأرض الميتة بالماء ، فإن الإنسان إذا نام يصير مثل الميت لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر ، ولا يدري ما يفعل به ، ولا في أيّ موضع هو ، ولا يبقى فيه من الحياة غير النّفس ، ثم يستيقظ فيرجع إليه روحه وعقله وذهنه وسمعه وبصره ، وكذلك « 2 » يبعث اللّه من يموت ، قال اللّه تعالى « 3 » :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
[ الزمر : 42 ] ، فصح أن النوم مثل الموت .
وأيضا فإن الأرض الميتة تنظرها هامدة لا شجر فيها ولا نبات ، فينزل اللّه عليهما الماء ، فتنبت به الأشجار والزرع وصنوف الثمار فيحييها اللّه بعد الموت ، وتصير مخضرّة بعد الهلاك والفوت « 4 » ،
هامش
( 1 ) في ( ع ) : ولأن يعمر .
( 2 ) في ( ب ) : فكذلك .
( 3 ) في ( ب ، ص ، ع ) : وقد قال اللّه تعالى .
( 4 ) في ( ش ) : والفوات .