فامتحنهم بالنّهر ، وعلم أنه من صبر منهم على الظمأ فهو يصبر على [ الحروب و ] « 1 » القتل ، ومن لم يصبر عن الماء « 2 » لم يصبر في الحرب .
وكان أيضا لا يمكنه تمييزهم إلا بما فعل ، ومثل ذلك كثير موجود في أفعال العقلاء ، قال الشاعر :
يدقّ على الأفكار ما أنت صانع * فيترك ما يخفى ويؤخذ ما بدى
فإذا كان في أفعال الناس ما يدقّ على بعضهم - وكان ذلك حسنا - كان ذلك في فعل اللّه أولى .
وقد جهل هذا المعنى أصحاب مطرّف بن شهاب ، فنفوا عن اللّه تعالى خلق بعض هذه الأشياء التي يستقبحها الناس ، مثل نقصان الخلق ، واحتجّوا بقول اللّه تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[ التين : 4 ] ، وقالوا : لم يقصد اللّه الخنثى لكونها خنثى « 3 » ، وكذلك من ولد أعمى ، أو مقعدا ، أو أصمّ ، أو بغير يدين ، وقالوا :
ذلك من العوارض وليس بقصد من اللّه وعمد . وكذلك خلق الدّود وشبهه . وقالوا : إن اللّه قد فطر الأشياء « 4 » ؛ تحيل وتستحيل ، ونسبوا ذلك إلى الفطرة والعوارض . وقد قدّمنا الكلام في أن الجمادات لا فعل لها . ولو صحّ ما قالوا لكانت الفطرة مشاركة للّه في الصنع ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا .
هامش
( 1 ) زيادة في ( ع ، ي ) .
( 2 ) في ( أ ) : على الماء .
( 3 ) في ( ش ) : وكونها خنثى .
( 4 ) في ( ج ، ل ) : قد خلق الأشياء .