تعالى يعلم الأشياء قبل وجودها كعلمه بها بعد وجودها ، لا تخفى عليه خافية يعلم السر وأخفى وما تكنّ الصدور ولا يجهل شيئا ، والحكيم يطلق على معان :
الأول : وضع الأشياء في محلها وضده الظلم والسفه .
الثاني : العلم بالأشياء كما هي عليه وضده الجهل .
الثالث : ترك القبيح الذي هو الإخلال بالواجب .
الرابع : معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم .
وأفضل العلوم العلم باللّه تعالى ، وأجل الأشياء هو اللّه تعالى ، واللّه سبحانه لا يعرفه كنه معرفته غيره وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم ، فهو الحكيم حقا لعلمه أجلّ الأشياء بأجلّ العلم ، والدليل على أنه عليم حكيم مضافا إلى ما سبق أن الأفعال المختلفة التقدير ، المتضادة التدبير ، المتفاوتة الصنعة ، لا تقع على ما ينبغي أن يكون عليه من الحكمة ممن لا يعلمها ولا تستمر على منهاج منتظم ممن يجهلها ، ألا ترى أنه لا يمكن أن يصوغ قرطا يحكم صنعته ويضع كلّا من دقيقه وجليله موضعه من لا يعرف الصياغة ، ولا ينظم حروف الكتابة من لا يعلمها ، فوقوع هذا الصنع العجيب والخلق الغريب من دون علم به وبدقائقه محال ، وإلى ذلك أشير بقوله تعالى :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
.
وقال الرضا عليه السّلام في دعائه : سبحان من خلق الخلق بقدرته واتقن ما خلق بحكمته ووضع كل شيء منه موضعه بعلمه سبحان من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وليس كمثله شيء وهو السميع البصير .
وأيضا لما ثبت كونه تعالى قادرا مختارا ببديهة العقل والنقل ثبت علمه وحكمته ، فإن القادر المختار من يفعل ما يعلم ما فيه المصلحة ويترك ما يعلم ما فيه المفسدة ، فيكون فعله وتركه مسبوقا بالعلم والحكمة ، وأيضا فالجهل والسفه نقصان لا يليقان به فيجب نفيهما عنه ، ونفيهما مستلزم لثبوت العلم والحكمة لأن نفي النقيض إثبات للنقيض الآخر ، وأيضا لو جاز عليه تعالى ذلك لكان مشابها لمخلوقه والحال أنه ليس كمثله شيء ، وأيضا كما أن جميع الممكنات أثر لوجوده فكذا جميع كمالاتها أثر لكماله ، والذي ينتهي إليه جميع العلوم لا يجهل شيئا .
وإن علم اللّه تعالى عام يعم جميع المعلومات كلياتها وجزئياتها كما عرفت لوجهين :