تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
ألف معجزة ، ولقد كانت أقواله وأفعاله وأحواله كلها معجزات باهرات وآيات واضحات تدل على صدقه وحقيته ونبوته ورسالته ، وكفى بكتاب اللّه تعالى معجزا عظيما وبرهانا جسيما باقيا مدى الدهر بين الخلق ، وليس لنبي معجزة باقية كذلك سواه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقد تحدى به بلغاء العرب وفصحاءهم ، وجزائر العرب يومئذ مملوءة بآلاف منهم والفصاحة دأبهم وصنعتهم وبها مباهاتهم ومنافستهم ، وكانوا يأتون بالأشعار البليغة الفصيحة والكلمات المليحة ويعلقونها على الكعبة ويفتخرون بها ، فلما جاء القرآن الكريم والفرقان العظيم بهتوا وعجزوا وكان ينادي بين أظهرهم كرة بعد أخرى ومرة غب أولى أن يأتوا بعشر سور مثله أو بسورة من مثله ، فعجزوا واعترفوا بالعجز والقصور عن هذه الدرجة العلية والمراتب السنية وقال لهم معلنا :
لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
« 1 » . قال ذاك تعجيزا لهم فعجزوا عن ذلك واعترفوا بالقصور عما هنالك حتى عرضوا أنفسهم للقتل ونساءهم وذراريهم للسبي ، واختاروا المحاربة بالأسنة والسيوف على المعارضة بالكلمات والحروف ، وما استطاعوا أن يعارضوا ولا أن يقدحوا في جزالته وحسنه ، وكان ذلك عندهم من أهم الأشياء ، ثم إنه لم يزل صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقرعهم أشد التقريع ويوبخهم غاية التوبيخ ويسفه أحلامهم ويحط أعلامهم ويشتت نظامهم ويذم آلهتهم وآباءهم ويستفتح أرضهم وبلادهم وديارهم ويصول عليهم بالقرآن الكريم ، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته محجمون عن مماثلته معترفون بالعجز عن مقابلته يخادعون أنفسهم بالتكذيب والافتراء والاستهزاء ويقولون :
إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ
و
سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
و
إِفْكٌ افْتَراهُ
و
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
والمباهاة والرضا بالرذالة والاعتراف بالعمى في البصيرة كقولهم :
قُلُوبُنا غُلْفٌ
و
فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ
وَفِي آذانِنا وَقْرٌ
وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
و
لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ
والادعاء مع العجز كقولهم :
لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا
وقد قال اللّه لهم ولن تفعلوا فما فعلوا ولا قدروا بل ولوا عنه مدبرين وكانوا بالعجز مذعنين بين مهتد ومفتون ومعترف بالعجز ، ولهذا لما سمع الوليد بن المغيرة من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن اللّه تعالى يأمر بالعدل والإحسان قال : واللّه إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر ، وما يقول هذا بشر . وحكى الأصمعي أنه سمع كلام جارية فقال قاتلك اللّه ما أفصحك ، فقالت أو يعد هذا فصاحة بعد قوله :
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ؛ الآية : 88 .