تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
المجرّدات ، كيف وقد جعل هذا القائل الأمر بالتأمّل في السرّ وغيره من العقلاء التجرّد بالمعنى المشهور - أعني : عدم كون الشيء جسما ولا جسمانيا - أيضا دليلا على العلم ، وهو لا ينحصر في الواجب - تعالى - . ومنها : انّ السرّ هو انّ بهذا الدليل - أي : الّذي تمسّك فيه بالتجرّد الحقيقي - يظهر كونه - تعالى - عالما بجميع ما سواه من غير احتياج إلى التمسّك بما ذكر / 129
MB
/ من « 1 » انّه عالم بذاته فيكون عالما بافعاله أيضا . وذلك لانّه إذا كان الواجب - تعالى - محض الوجود الحقيقي غير محتاج إلى ارتباط بالغير بل جميع ما سواه موجود بالارتباط به والانتساب إليه - على ما هو ذوق أهل التألّه - فيكون - تعالى - عالما بجميع الأشياء البتة ، إذ العلم ليس إلّا ارتباط خاصّ بين العالم والمعلوم يوجب ظهوره وانكشافه عنده . فإذا كان وجود جميع الأشياء بالارتباط به - سبحانه - فيكون جميعها ظاهرا منكشفا لديه ؛ وما ذلك الّا العلم . ومنها : انّ السرّ هو ما اشتهر بين أهل التألّه والذوق من انّه ليس شيء من الممكنات متصفا بالوجود اتصافا حقيقيا ، بل الممكنات لها ارتباط بالموجود الحقيقي واطلاق الوجود على الممكن من قبيل اطلاق متموّل على زيد واطلاق الشمس على الماء . وليس المتصف بالوجود حقيقة إلّا اللّه - تعالى - ، وما عداه مرتبط به . وقد صرّح السيد الداماد بأنّ السرّ المأمور بالتأمّل فيه هو هذا الوجه حيث قال : « السرّ هو انّ ما سوى اللّه - تعالى - من الممكنات ليس لها وجود ، بل هي منسوبة إلى حضرة الوجود ، لانّ الوجود ليس بعارض لها ولا قائما بها ولا بمهيتها ، بل مصداق حمل الموجود عليها مجرّد انتسابها إلى الوجود كما أنّ الحدّاد هو من ينسب إلى الحديد وذلك هو مصداق حمل الحداد عليه لا من يقوم به الحديد » ؛ انتهى . وغير خفيّ انّ الفرق بين هذا الوجه وبين سابقه : انّ بناء السابق على كون الممكنات بأسرها مرتبطة بالأوّل - تعالى - ارتباطا خاصّا وان كان لها وجود حقيقة وكان صدق الوجود عليها صدقا حقيقيا ، لكن هذا الارتباط منشأ لتحقّق علمه - تعالى - بها ، لانّ
هامش
( 1 ) الأصل : - من .