تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
حسب تغيّر المتجدّدات المتعاقبات - تعالى عن ذلك - ، بل نسبة ذاته الّتي هي فعلية صرفة وغناء محض من جميع ، الوجوه إلى الجميع وان كان من الحوادث الزمانية نسبة واحدة ومعية قيومية ثابتة غير زمانية ولا متغيّرة أصلا ، والكلّ بفنائه يقدر استعداداتها مستغنيات كلّ في محلّه ووقته وعلى حسب طاقته ؛ وانّما فقرها وفقدها ونقصها بالقياس إلى ذواتها وقوابل ذواتها وليس هناك امكان وقوّة البتّة ، فالمكان والمكانيات بأسرها بالنسبة إليه - سبحانه - كنقطة واحدة في معية الوجود
وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
« 1 » والزمان والزمانيات بآزالها وآبادها كان واحدا عنده في ذلك ؛ جفّ القلم بما هو كائن . ما من نسمة كائنه إلّا وهو كائنة عنده . والموجودات كلّها - شهادياتها وغيبياتها - كموجود واحد في الفيضان عنه ؛
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
« 2 » وانّما التقدّم والتأخّر والتجدّد والتصرّم والحضور والغيبة في هذه كلها بقياس بعضها إلى بعض ، وفي مدارك المحبوسين في سيطرة الزمان المسجونين في سجن الامكان ، لا غير . وامّا قوله - عزّ وجلّ - :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
« 3 » فهو كما قال بعض أهل العلم : انّها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها . ولعلّ من لم يفهم بعض هذه المعاني يقول : كيف يكون وجود الحادث في الأزل ؟ ، أم كيف يكون المتغيّر في نفسه ثابتا عند ربّه أم كيف يكون الأمر المتكثّر المتفرّق وجدانيا جميعا ؟ ، أم كيف يكون الأمر الممتدّ - أعني : الزمان - واقعا في غير الممتدّ - أعني : اللازمان - مع التقابل الظاهر بين هذه الأمور ؟ . فلنمثّل له بمثال حتّى يكسر سورة استبعاده ، فانّ مثل هذا المعترض لم يتجاوز بعد درجة الحسّ والمحسوس . قلنا : خذ أمرا ممتدا كحبل أو خشب مختلف الأجزاء في اللون ثمّ ليمرره في محاذاة نملة أو نحوها ممّا يضيق حدقته عن الإحاطة بجميع ذلك الامتداد ، فتكون تلك الألوان المختلفة متعاقبة في الحضور لديها يظهر لها شيئا فشيئا واحدا بعد آخر لضيق / 159
MB
/ نظرها ، ومتساوية في الحضور عند من يراها كلّها دفعة لقوّة إحاطة نظره وسعة حدقته ؛
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
« 4 » . فهو - سبحانه - أدرك الأشياء جميعها في الأزل ادراكا
هامش
( 1 ) كريمة 67 ، الزمر . ( 2 ) كريمة 28 ، لقمان . ( 3 ) كريمة 29 ، الرحمن . ( 4 ) كريمة 76 ، يوسف .
جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 217 | ملا محمد مهدي النراقي