تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
فمناط علم الواجب بالأشياء قبل ايجادها هو حضور علمها ، بل الأمر كذا بعد ايجادها أيضا . فمناط العلم الواجبي بالأشياء بعد ايجادها ليس هو حضور نفس الأشياء الخارجية وحصول صورها في جوهر عقلي حاضر عنده ، بل الحقّ انّ مناط علمه المطلق الّذي ليس إلّا تفصيليا ليس سوى ذاته بذاته . وقد ظهر ممّا ذكرنا انّ القول بالعلم الاجمالي لا ينفع في دفع هذا الاشكال وغيره من الاشكالات ، فانّ كلّ ما يمكن أن يقال في دفع الاشكالات الموردة على العلم إذا جعل العلم السابق « 1 » اجماليا يمكن أن يقال بعينه إذا جعل ذلك العلم تفصيليا ، فهما في ذلك سيّان فأيّ حاجة إلى القول بالعلم الاجمالي مع استلزامه للمفاسد المذكورة ؟ ! . فالحقّ - كما قيل - : انّه لا يصحّ أن يكون الاجمال والتفصيل وصفين لعلمه - سبحانه - ، بل هما وصفان للأشياء باعتبار الشهود العلمي والشهود الخارجي ، فباعتبار الشهود العلمي يكون جميع الأشياء في درجة واحدة بحيث لا يكون لواحد منها تقدّم على الآخر باعتبار العلم بها ، فكان الجميع أمرا واحدا ؛ وباعتبار الوجود الخارجي أمور متفاصلة متفارزة ويكون لبعضها تقدّم على الآخر . قال بعض الاعلام : انّ الواجب - تعالى - في مقام ذاته المقدّسة كلّ الأشياء - كما أشار إليه المعلم الثاني بقوله : « فهو الكلّ في وحدة » ، أي : هو عين الأشياء حال كونه واحدا - ، فحضور ذاته بذاته لذاته نفس حضور الكلّ على وجه أعلى وأشرف ، بمعنى انّ كلّ فعلية ووجود مستهلك ومندرج في شعاع ذاته ، أي هو محيط بالكلّ إحاطة معنوية لا كإحاطة النواة على الشجرة النخلة أو إحاطة الظرف على المظروف أو الكلّي للجزئي أو المكان للمتمكّن والزمان للزماني - تعالى اللّه عن ذلك - لنقص المحيط في كلّ منها ، بل إحاطة كمالية بأن ظهر مع تنزّهه عن الكثرة والامكان ، بل عن كلّ شيء ونقصان في كلّ ، فهو بعلمه لذاته الّذي هو نفس ذاته ونور كلّ شيء وظهوره - كما قال :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . .
« 2 » الآية - يعلم الكلّ بذاته . ووجوب المغايرة بين حضور الواجب وحضور الغير إنّما يكون في مقام الكثرة والتفصيل ، لا في مقام الجمع والاجمال ، فانّ مقام الجمع عين وجود كلّ شيء
هامش
( 1 ) الأصل : ان يقال . ( 2 ) كريمة 35 ، النور .
جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 187 | ملا محمد مهدي النراقي