تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
وهذا سر لأرباب التوحيد لا تحتمله العبارة ولا تفي به الإشارة . ويمكن ان يشار إلى ذلك بانّ وجود المعلول كانّه الشبح لوجود العلّة وفيض منه وكأنّ الوجود قد زاد عليه وفاض على غيره ، فوجود جميع الموجودات على كثرتها كانّها مجتمعة بعنوان الوحدة في وجود ما هو علّة لها حقيقة ، فهو عين جميع الموجودات الفائضة عنه المترشحة منه ، فالعلم به علم بجميع الموجودات على سبيل الاجمال . فوجود العلّة هو صورة جميع الموجودات الفائضة منه لكن مبراة عن شوائب الكثرة فهو الكلّ في وحدته ؛ انتهى . / 148
DB
/ وأنت خبير بأنّ هذا الكلام بيان للعلم الاجمالي بالوجه الأوّل مع انّه اعتقد في جميع كلماته انّ العلم الاجمالي للواجب هو الاجمالي بالوجه الثاني . ثمّ ما ذكره من كون علم الواجب بذاته موجبا للعلم بجميع الموجودات - لكون جميع الموجودات لازمة له مرشّحة منه فائضة عنه ، فكأنّها مجتمعة فيه بعنوان الوحدة - فهو ممنوع ، إلّا أنّا نقول : انّها عالم بها تفصيلا لا اجمالا - كما ذكره - للزوم جهله - سبحانه - في مرتبة ذاته بمرتبة اتمّ من العلم - أعني : التفصيلي الّذي هو التميّز التامّ والادراك بالخصوصيات - . قال بعض الفضلاء : إذا كان العلم الاجمالي عين ذات الواجب ولم يكن العلم التفصيلي عين ذاته لزم أن لا يكون الواجب - جلّ اسمه - بحيث يحصل له العلم التفصيلي في مرتبة الذات ، فيلزم أن لا يعلم الأشياء مفصّلة في مرتبة الذات بل يعلمها مجملة في هذه المرتبة ؛ وأيضا يلزم أن يحصل له علم بعد ما لم يكن في مرتبة الذات ، فيلزم ان يكون فاقدا لبعض الكمالات في مرتبة الذات - لانّ العلم كمال مطلق للموجود بما هو موجود - . وما يتوهّم من انّه يجوز أن لا يكون العلم التفصيلي كمالا يندفع بما ذكرنا : من أنّ العلم كمال مطلق للموجود بما هو موجود ، والجهل نقص مطلق . وأيضا ايجاد الأشياء مفصّلة لا يكون إلّا بعلم سابق على تلك الأشياء ، ويجب أن يكون ذلك العلم السابق علما مفصّلا وإلّا يلزم ايجاد الشيء بعينه بدون العلم بذلك الشيء بعينه ، وهو باطل بالبديهة من الفاعل المختار ، على ما قال - جلّ ذكره - :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
. وذلك العلم السابق لا يمكن أن يكون زائدا على ذاته وإلّا لزم التسلسل ، وهو محال ،