الموجود في النفس إمّا أن يكون مسلوبا عنه أن يكون نفس الشيء أو موجبا له .
وكلّ مسلوب عن المعلوم وكلّ موجب له معلوم ، فنفس الشيء معلوم .
وهذا قياس مقدّمته الصغرى شرطيّة منفصلة ضروريّة الانفصال ، وكبراه حمليّة ضروريّة الصدق . فينتج حمليّة ضروريّة ، وهو أنّ الموجود في النفس المسمّى معلوما هو ذات الشيء وعينه . وكلّ معلوم بالذات فوجوده معلوميّته ، وكلّ معلوم بالذات فان أحسّ به أو تخيّل فانّما كان محسوسا أو متخيلا بالعرض ، فالأشياء المعلومة محسوسة أو متخيّلة بالعرض .
وعلى هذا النسق يكون الأمر في طرف المدرك ، فإنّ الجوهر المدرك إمّا أن يكون مدركا بالذات ، كالنفس الدرّاكة العاقلة ؛ أو مدركا لا بالذات ، كادراك قوّة الوهم والخيال والحسّ . والمدرك لا بالذات ، فادراكه لا يكون جوهريّا له . وما يكون إدراكه جوهريّا له لا يدرك ذاته . فالقوى الوهميّة والخياليّة والحسيّة لا تدرك ذواتها ، ويكون لها وجود غير إدراكاتها . وهذا القسم من الوجود أخسّ الوجودين وأدونهما . وما يكون إدراكه ذاتيّا وجوهريّا له يكون مدركا لذاته . ولا وجود له سوى إدراكه ، فإنّ ذاته هي كونه مدركا ، وهو وجوده ، ولا مباينة بين ذاته ووجوده الّذي هو الادراك ، وهو أشرف أنحاء الوجود .
ثمّ إنّ الأنفس الانسانيّة عالمة عاقلة ، إلّا أنّ منها ما هي عالمة بالقوّة ، وهي التي تعلم ولا تعلم أنّها تعلم ، ولها حاجة إلى التنبيه على أنّها تعلم ، إمّا بتعلّم أو ما يبعث عليها بالتفات تفكرىّ . ومثل هذه الأنفس بعيدة عن معرفة ذاتها والعلم بجوهرها . ومنها ما هي عالمة بالفعل ، وهي التي تعلم وتعقل ، وتعلم وتعقل أنّها تعلم وتعقل . ومثل هذه يلزمها أن تكون عارفة بذاتها ، عارفة بجوهرها ، لأنّها تشاهد ذاتها العالمة .
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل — صفحة 523
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٥٢٣