- 13 -
[ الشيخ يودع النفس الأخير في النجف الأشرف ، ويدفن في داره ]
المرء بعد الموت أحدوثة * يفنى وتبقى منه آثاره
فأحسن الحالات حال امرئ * تطيب بعد الموت أخباره
ولم يزل شيخنا قدس سره مشغولا برعاية حقوله الخصيبة التي غرس بذورها بيده المباركة ، وسقاها بروحه القدسية ، حتى أينعت وآتت أكلها كل حين ، فإذا بجامعة الإمام علي عليه السّلام حديقة غناء تنفح الآفاق الاسلامية بعطر العلم ونسيم الحياة .
وفي غمرة من سخاء ، وعلى فترة من واقعية يسدد القدر المحتوم رميته فإذا بالرعيل يتراجع ، وإذا بالفتوح تطوى ، وإذا بعميد الجامعة رهن جدثه الطاهر ، فتعطلت حركة العلم برهة - غير قصيرة من الزمن - وشلت الخطوات السريعة ، ولا عجب ، فقد فقد العلم به صاحب اللواء ، وزعيم المعسكر الأول ورائد الفكر والنضج الاجتماعي ، وروعة النادي ومغزى حديثه وسمره ، ذلك هو شيخ الطائفة - على الاطلاق - أبو جعفر الطوسي غمر اللّه جدثه الطاهر برحمته ورضوانه .
لقد حسر عمره الشريف ( 75 عاما ) في سبيل اعلاء كلمة الحق واحياء معالم الدين ، وبعث الحياة والروح في أعصاب المجتمع الاسلامي ليقف على قدميه في ميدان الصراع العقائدي ، ويثبت للتأريخ والأجيال أن سلاح العلم والايمان أعمق وأشد مقاومة من أي سلاح آخر - مهما كانت نوعيته - .
ما أجل ذلك العمر المبارك الذي كان كله سخاء ومعطيات في سبيل تدعيم المذهب الجعفري - رغم الطائفية الهوجاء التي كانت تلعب دورها في ذلك الحين كما لمسناها من ثنايا فتنة بغداد ، المفضوحة .
ولو استعرضنا عمره المبارك لجاء متواصل الحلقات هكذا :