تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
قيل : جنة المأوى اسم لجميع الجنان ، يدل عليه أنه تعالى قال :
فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ السجدة : 19 ] . والجنة اسم الجنس ، فمرة يقال : جنة ، ومرة يقال : جنات . وكذلك جنة عدن ، وجنات عدن ، لأن العدن : الإقامة ، وكلّها دار الإقامة ، كما أن كلها مأوى المؤمنين ، وكذلك دار الخلد ودار السلام لأن جميعها للخلد والسلامة من كل خوف وحزن ، وكذلك جنات النعيم وجنة النعيم ، لأن كلها مشحونة بأصناف النعيم ، ذكره الحليمي في كتاب « منهاج الدين » له ، وقال : إنما منعنا أن نجعل كل واحدة من العدن والمأوى والنعيم جنة سوى الأخرى ؛ لأن اللّه تعالى إن كان سمي شيئا من هذه الأسماء جنة في موضع فقد سمى الجنات كلها بذلك الاسم في موضع آخر ، فعلمنا أن هذه الأسماء ليست لتميز جنة من جنة ولكنها للجنان أجمع ، لا سيما وقد أتى اللّه بذكر العدد فلم يثبت إلا أربعا . وقد أثبت لهذه الجنان أبوابا فقال :
وَفُتِحَتْ أَبْوابُها
[ الزمر : 73 ] ، وقال عليه الصلاة والسلام : « إن أبواب الجنة ثمانية » . فيحتمل أن يكون ذلك ، لأن لكل جنة من الجنان الأربع بابين ، ووصف أهل الجنة فصنفهم صنفين أحدهما السابقون المقربون ، والآخرون أصحاب اليمين ، فعلمنا أن السابقين أهل الجنتين العليتين في قوله :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
وأهل اليمين أهل الجنتين الدنيتين في قوله :
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ
وبهذا جاءت الروايات . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
إلى قوله :
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ
قال : فتلك للمقربين ، وهاتان لأصحاب اليمين . وعن أبي موسى الأشعري نحو ذلك « 1 » . قوله تعالى :
يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً
[ الحج : 23 ] قال المفسرون : ليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة سوار من ذهب ، وسوار من فضة ، وسوار من لؤلؤ . وقال هنا :
مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً
وقال في آية أخرى :
وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ
[ الإنسان : 21 ] . وفي الصحيح : « تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء » « 2 » . وقرئ « لؤلؤا » بالنصب على معنى ويحلّون لؤلؤا وأساورا ؛ جمع أسورة ،
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم ( 1 / 84 ) و ( 2 / 474 ، 475 ) وابن أبي شيبة في « المصنف » ( 13 / 383 ) والبيهقي في « البعث والنشور » ( 219 ) وأبو نعيم في « صفة الجنة » ( 142 ) . وصحّحه الحاكم ، ووافقه الذهبي . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 250 ) .
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 217 | القرطبي