تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
[ الرحمن : 41 ] وقال عليه السلام : « يخرج عنق من النار فيقول : وكّلت بثلاث بكلّ جبار عنيد ، وكل من جعل مع اللّه إلها آخر ، وبالمصورين » « 1 » . قلنا : هذا يحتمل أن يكون بعد الوزن والحساب وتطاير الكتب في اليمين والشمال وتعظيم الخلق كما تقدم ، ويدل عليه قوله : « وبالمصورين » فإنهم وإن كانوا موحّدين فلا بد لهم من سؤال وحساب ، وبعده يكونون أشد الناس عذابا ، وإن كانوا كافرين مشركين فيكون ذكرهم تكرارا في الكلام . على أن نقول : قال بعض العلماء : ذكر اللّه تعالى الحساب جملة وجاءت الأخبار بذلك ، وفي بعضها ما يدل على أن كثيرا من المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب ، فصار الناس إذا ثلاث فرق ؛ فرقة لا يحاسبون أصلا ، وفرقة تحاسب حسابا يسيرا ، وهما من المؤمنين ، وفرقة تحاسب حسابا شديدا يكون منها مسلم وكافر وإذا كان من المؤمنين من يكون أدنى إلى رحمة اللّه ؛ فلا يبعد أن يكون من الكفار من هو أدنى إلى غضب اللّه فيدخله النار بغير حساب . وقد ذكر ابن المبارك في رقائقه عن شهر بن حوشب ، عن ابن عباس : « أن بعد أخذ النار هؤلاء تنشر الصحف وتوضع الموازين ، وتدعى الخلائق للحساب » « 2 » . فإن قيل فقد قال تعالى :
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
[ المطففين : 15 ] وقال :
وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
[ القصص : 78 ] وقال :
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 77 ] وهذا يتناول بعمومه جميع الكفار . قلنا : القيامة مواطن : فموطن يكون فيه سؤال وكلام ، وموطن لا يكون ذلك ، فلا يتناقض الآي والأخبار - واللّه المستعان . قال عكرمة : القيامة مواطن يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها . وقال ابن عباس : لا يسألون سؤال شفاء وراحة ، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ لم عملتم كذا وكذا ؟ والقاطع لهذا قوله تعالى :
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
[ الحجر : 92 ، 93 ] . قال أهل التأويل : عن لا إله إلا اللّه . وقد قيل : إن الكفار يحاسبون بالكفر باللّه الذي كان طول العمر دثارهم وشعارهم وكل دلالة من دلائل الإيمان خالفوها وعاندوها ، فإنهم يبكتون عليها ويسألون عنها عن الرسل وتكذيبهم إياهم لقيام الدلائل على صدقهم . وقال تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد ( 2 / 336 ) والترمذي ( 2574 ) وهو في « الصحيحة » ( 512 ) . ( 2 ) جزء من أثر ابن عباس ، تقدم تخريجه .
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 329 | القرطبي