تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
ومثله ما جاء في حديث التنزيل مفسرا فيما أخرجه النسائي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه وأبي سعيد قالا : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا يقول : هل من داع يستجاب له ؟ هل من مستغفر يغفر له ؟ هل من سائل يعطى » « 1 » . صححه أبو محمد عبد الحق . وكل حديث اشتمل على ذكر الصوت أو النداء فهذا التأويل فيه ، وأن ذلك من باب حذف المضاف . والدليل على ذلك ما ثبت من قدم كلام اللّه تعالى على ما هو مذكور في كتاب الديانات . فإن قال بعض الأغبياء « 2 » : لا وجه لحمل الحديث على ما ذكرتموه فإن قيل : « أنا الديان » وليس يصدر هذا الكلام حقّا وصدقا إلا من رب العالمين . قيل له : إن الملك إذا كان يقول عن اللّه تعالى وينبئ عنه فالحكم يرجع إلى اللّه رب العالمين . والدليل عليه أن الواحد منا إذا تلا قول اللّه تعالى :
إِنِّي أَنَا اللَّهُ
[ طه : 14 ] فليس يرجع إلى القارئ ، وإنما القارئ ذاكر لكلام اللّه تعالى ودال عليه بأصواته ، وهذا بيّن ، وقد أتينا عليه في الصفات من كتاب « الأسنى في شرح أسماء اللّه الحسنى وصفاته العليا » .
هامش
( 1 ) أخرجه النسائي في عمل اليوم و « الليلة » من « الكبرى » ( 6 / 124 / 10316 ) وقال الألباني في « إرواء الغليل » ( 2 / 198 ) : « ورواه النسائي بلفظ منكر ، ليس فيه ذكر النزول ، ولا نسبة للقول المذكور إلى اللّه تعالى كما بينته في « الضعيفة » ( 3897 ) » . قلت : أخرجه النسائي من طريق : عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا أبو إسحاق ، حدثنا أبو مسلم الأغر ، سمعت أبا هريرة وأبا سعيد يقولان : . . . فذكره . وهذا الإسناد فيه ؛ عمر بن حفص بن غياث « ثقة ربما وهم » كما في « التقريب » ( 4914 ) ، وأبوه حفص ؛ « ثقة فقيه تغير حفظه قليلا في آخره » كما في « التقريب » أيضا ( 1439 ) . فالنكارة التي في الحديث أظنها منهما آتية . فمثل هذا الإسناد لا يعوّل عليه ، لا سيما إذا خالفه رواية الثقات . فالحديث أخرجه مسلم ( 758 ) وأبو عوانة في « مسنده » ( 2 / 28 / 2194 - 2195 ) والطيالسي ( 2232 ، 2385 ) والنسائي نفسه في المصدر السابق ( 6 / 124 / 10315 ) وغيرهم . من طرق ؛ عن شعبة ، ومنصور ، والأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن الأغر به . ولفظه عند هؤلاء : « إن اللّه عز وجل يمهل ، حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول ؛ نزل إلى السماء الدنيا فيقول : هل من مستغفر ؛ هل من تائب ، هل من سائل ، هل من داع ؟ حتى ينفجر الفجر » . فتبيّن أن رواية النسائي الأول مخالفة لرواية الثقات الأثبات ؛ بل هي منكرة . واللّه تعالى أعلم . ( 2 ) ما كان يحسن بالقرطبي - رحمه اللّه ، وغفر له - استعمال مثل هذا اللفظ ، خاصة أن الذين قالوا هذا الكلام هم : أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن منده وابن خزيمة وابن بطة واللالكائي ، وغيرهم من الأئمة قبلهم وبعدهم . واللّه المستعان .