تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣

فصل

قلت : هذا الباب والذي قبله يدل على أن الناس يحشرون حفاة عراة غرلا ، أي : غير مختونين
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
[ الأنبياء : 104 ] . قال العلماء : يحشر العبد غدا وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد ، فمن قطع منه عضو يرد في القيامة عليه ، حتى الختان . وقد عارض هذا الباب ما روى أبو داود في « سننه » عن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها وقال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن الميت يبعث في ثيابه التي دفن فيها » « 1 » . قال أبو عمر بن عبد البر : « وقد احتجّ بهذا الحديث من قال : إن الموتى يبعثون جملة على هيئاتهم . وحمله الأكثر من العلماء على الشهيد الذي أمر أن يزمّل في ثيابه ، ويدفن فيها ولا يغسل عنه دمه ، ولا يغير عليه شيء من حاله ، بدليل حديث ابن عباس وعائشة رضي اللّه عنهما ، قالوا : ويحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد فتأوله على العموم ، واللّه أعلم » . قلت : ومما يدل على قول الجماعة مما يوافق حديث عائشة وابن عباس قوله الحق :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ الأنعام : 94 ] وقوله :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
[ الأعراف : 29 ] . ولأن الملابس في الدنيا أموال ، ولا مال في الآخرة ، زالت الأملاك بالموت ، وبقيت الأموال في الدنيا ، وكل نفس يومئذ فإنما يقيها المكاره ما وجب لها بحسن عملها ، أو رحمة مبتدأة من اللّه عليها ، فأما الملابس فلا غنى فيها يومئذ إلا ما كان من لباس الجنة ، على ما تقدم في الباب قبل . وذهب أبو حامد في كتاب « كشف علوم الآخرة » إلى حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « بالغوا في أكفان موتاكم فإن أمتي تحشر بأكفانها وسائر الأمم عراة » « 2 » . ورواه أبو سفيان مسندا . قال المؤلف رحمه اللّه : وهذا الحديث لم أقف عليه ، واللّه أعلم بصحته ، وإن صح فيكون معناه : فإن أمتي الشهداء تحشر بأكفانها ، حتى لا تتناقض الأخبار ، واللّه أعلم . ولا يعارض هذا الباب ما تقدم أول الكتاب من أن الموتى يتزاورون في قبورهم بأكفانهم ، فإن ذلك يكون في البرزخ ، فإذا قاموا من قبورهم خرجوا عراة ما عدا الشهداء ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود ( 3114 ) وهو صحيح . ( 2 ) لم أقف عليه .
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 243 | القرطبي