تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
قالوا : لأن ملائكة اللّه « 1 » تشهده » . وقيل : سمّي شهيدا ؛ لأن أرواحهم أحضرت دار السلام ، لأنهم
أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[ آل عمران : 169 ] وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة . فالشهيد بمعنى الشاهد ؛ أي : الحاضر للجنة ، وقيل : سمّي بذلك ؛ لسقوطه بالأرض ، والأرض الشاهدة ، وقيل : سمّي بذلك ، لشهادته على نفسه للّه عز وجل حين لزمه الوفاء بالبيعة التي بايعه في قوله الحق :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
[ التوبة : 111 ] ، فاتصلت شهادة الشهيد الحق ، بشهادة العبد ، فسمّاه شهيدا ، ولذلك قال عليه السلام : « واللّه أعلم بمن يكلم في سبيله » . وقال في شهداء أحد : « أنا شهيد على هؤلاء » ، لبذلهم نفوسهم دونه ، وقتلهم بين يديه ، تصديقا لما جاء به صلى اللّه عليه وسلم . هذا الكلام في الشهيد . فأما الشهادة ، فصفة سمّي حاملها بالشاهد ، ويبالغ بشهيد ، وللشهادة ثلاثة شروط لا تتم إلا بتمامها وهي : الحضور ، والوعي ، والأداء . أما الحضور : فهو شهود الشاهد المشهود . والوعي : هو ما شاهده وعلمه في شهوده ذلك . والأداء : هو الإتيان بالشهادة على وجهها في موضع الحاجة إلى ذلك . هذا معنى الشهادة ، والشهادة على الكمال ، إنما هي للّه سبحانه وتعالى ، وأن جميع الشاهدين سواه يؤدون شهادتهم عنده ، قال اللّه سبحانه وتعالى :
وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ
[ الزمر : 69 ] والشهداء : هم العدول ، وأهل العدالة في الدنيا والآخرة هم القائمون بما أوجب الحق سبحانه عليهم في الدنيا .

باب منه

روى النسائي عن العرباض بن سارية أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يختصم الشهداء والمتوفّون على فرشهم إلى ربنا في الذين يتوفّون من الطاعون ، فيقول الشهداء : قتلوا كما قتلنا ؟ ويقول المتوفون على فرشهم : إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا ؟ فيقول ربنا عز وجل : انظروا إلى جراحهم ، فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم منهم ، فإذا جراحهم أشبهت جراحهم » « 2 » . وروت عائشة رضي اللّه عنها قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن فناء أمتي بالطعن
هامش
( 1 ) في « مجمل اللغة » : « ملائكة الرحمة » . ( 2 ) أخرجه النسائي ( 6 / 37 ) وهو في « صحيح سنن النسائي » رقم ( 2966 ) .
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 187 | القرطبي