الشرح : اعلم أن آخر ما وصل إليه العلم في مسألة النفس وتجردها هو بيان آثارها الظاهرة وخواصها اللازمة التي يستدل بها على وجود جوهر غير مادي هو مصدر هذه القوى الظاهرة كما يستدل على وجود المؤثر بأثره نظير استكشاف الجاذبية وسائر القوى الفيزيكية عن ظواهر الطبيعة من دون أن تنكشف حقيقة تلك القوى وهذا شأن العقل في حكمه بوجود المؤثر عند درك الأثر حكما جزميا وهذا سبيل اتخذته الفلسفة الروحية في إزاحة النقاب عن وجه هذا السر الغامض منذ العصر القديم ولن تبلغ إلى مرتبة فوق هذه المرتبة ولو بذلت كل جهدها
( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا )
ولذلك نرى أن غاية ما أتى به الفيلسوف في الرسالة أن أبان آثارا خاصة للنفس لا يصح ظهورها إلا من جوهر غير مادي تظهر منه هذه الآثار ومهد عدة مقدمات ينبنى عليها إثبات المقصود ويحكم بصحتها العقل وتقضى على صدقها البديهة من غير ترو وشك مفاد المقدمة الأولى هو أن الموجودات بأسرها تنقسم إلى ما له وضع وإلى ما لا وضع له والأول عبارة عن كون الشيء في جهة من الجهات أو في حيز من الأحياز بحيث يقع الموصوف به تحت الإشارة الحسية ويدخل تحت هذا القسم المادة وجميع القوى الفيزيكية حيث يقع جميعها تحت درك الحواس الظاهرية لأنها لا تنفصل عن المادة