وقد صرّح في شرح الزيارة الجامعة أنّ : « هذا الجسم الذي في الدنيا هو بعينه هذا المرئيّ لطيف وكثيف ، فأمّا الكثيف فيصفّى فتفنى كثافته التي سمّيناها الجسد الأوّل العنصريّ ويبقى لطيفه في قبره ، وهو الجسد الثاني الباقي . وأمّا اللطيف فيظهر [ به ] في البرزخ » « 1 » . انتهى .
وذلك خلاف ظاهر قوله تعالى :
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
« 2 » ؛ لرجوع الضمير إلى العظام الرميم .
وعلى هذا المذهب لا بدّ من تقدير مضاف ، بأن يقدّر : « قل يحيي لطيفها » مع أنّه حينئذ لا يكون جوابا للمنكر الذي قام في مقام الإنكار ، ونحو ذلك من الآيات والأخبار ، بل ذلك خلاف اعتقاد المؤمنين :
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً
« 3 » .
وأمّا رابعا : فلأنّ قوله : « إنّ بقاء الغرائب يقتضي الزوال وعدم البقاء في الجنّة » .
منقوض ببقاء عيسى وخضر وإلياس وصاحب الزمان وأمثالهم .
وأمّا خامسا : فلأنّه تعالى جعل النار التي تكون حرّا وإيلاما بمقتضى الطبيعة بردا وسلاما بحيث لو لم يقل : « سلاما » لأهلكت إبراهيم من البرودة كما روي « 4 » . وكأنّه غفل عن قدرة اللّه تعالى وجعلها أقلّ من الإكسير الموجب لانقلاب الصفو ذهبا قابلا للبقاء من غير طرح وإعدام ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا .
وبالجملة : فلو لم نقل بأنّ ما ذكر اعتقاد خارج عن اعتقاد المسلمين ، فلا أقلّ من كونه ممّا فيه ريب باليقين ، فيتوجّه قوله صلّى اللّه عليه وآله : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 5 » . فميل
هامش
( 1 ) . « شرح الزيارة الجامعة الكبيرة » 4 : 28 .
( 2 ) . يس ( 36 ) : 79 .
( 3 ) . النساء ( 4 ) : 115 .
( 4 ) . حكاه الطبرسي عن أبي العالية في « مجمع البيان » 7 : 55 ، ذيل الآية 70 من سورة الأنبياء ( 21 ) ؛ وعنه في « بحار الأنوار » 12 : 24 .
( 5 ) . « بحار الأنوار » 2 : 259 .