والأوّل هو الواجب المترتّب على فعله استحقاق الثواب ، وعلى تركه استحقاق العقاب .
والثاني هو المندوب المترتّب على فعله استحقاق الثواب من غير ترتّب استحقاق العقاب على تركه .
والثالث هو المباح .
وذلك لأنّه المناسب للإذن والرخصة في الفعل من الحكيم على الإطلاق والعقلاء بنحو : كلوا واشربوا ، والنهي التحريميّ والتنزيهيّ بنحو : لا تسرفوا ولا تصرّفوا .
وبعبارة أخرى « 1 » : الفعل إمّا خير محض ، أو شرّ محض ، أو خير غالب ، أو شرّ غالب ، أو متساوي الخير والشرّ ؛ والخير المحض والخير الغالب حسنان ، والشرّ المحض والشرّ الغالب والمتساوي قبائح ، فالفعل إمّا حسن أو قبيح كما مرّ . هذا بحسب مذهب الحكماء والإماميّة والمعتزلة من كون أفعال العباد اختياريّة « 2 » .
وأمّا على مذهب الأشاعرة من كون أفعال العباد غير اختياريّة « 3 » ، فلا يصحّ هذه القسمة من جهة عدم اتّصاف الفعل على ما زاد على الحدوث إلّا على وجه المسامحة أو ملاحظة المقارنة للإرادة - وإن لم تكن مؤثّرة - وعدمها المقتضية لتسمية الأوّل اختياريّا بحسب الظاهر دون الثاني ، ولكنّ الأمر في ذلك هيّن .
وكيف كان ، فالفعل الصادر من الله تعالى لا يكون ظلما وشرّا وقبيحا ، بل يكون عدلا حسنا سالما عن الظلم والقبح .
لنا على ذلك المطلب برهانان : عقليّ قاطع ، ونقليّ ساطع .
أمّا البرهان القاطع العقليّ فهو أنّ الله تعالى لوجوب وجوده غنيّ مطلق ، عالم بجهات القبح ، والظلم قبيح بالقبح الذاتيّ ببديهة العقل ، فمع الغنى والعلم بالقبح
هامش
( 1 ) . لا بدّ أن نشير هنا إلى أنّ بين التعريفين اختلافا معنويا ، وليس الاختلاف بينهما في العبارة فقط ، فإنّ المباح في التعريف الأوّل داخل في الحسن وفي الثاني داخل في القبيح ، فكيف يكون هذا عبارة أخرى لذلك ؟ !
( 2 ) . راجع ص 428 - 429 من هذا الجزء .
( 3 ) . راجع ص 428 - 429 من هذا الجزء .