نرى انّه سبحانه مع انّه يعترف بنظام العليّة والمعلوليّة في الكون ، يصرّح بأنّ تأثير الشفعاء ( العلل الطبيعيّة ) يتحقّق بإرادته كما يقول :
« ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ »
( يونس - 3 )
والمراد من الشفيع هو الوسيط المؤثّر من العلل التكوينيّة ، وهو بمعنى الشفع بمعنى الزوج فكأنّ نظام العليّة مؤثّر بالانضمام إلى إرادة اللّه سبحانه ومشيئته .
ثمّ انّ بعض المفسّرين يطرحون عقيدة اليهود في مجال التشريع والتكوين في تفسير قوله :
« بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ »
( المائدة - 64 )
غير انّ الآية واردة في سياق الانفاق والبذل ويتّضح ذلك إذا ألقينا نظرة إلى مجموع الآية إذ يقول سبحانه :
« وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ »
( المائدة - 64 ) فعبارة
« يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ »
تصريح بأمر آخر وهو مسألة الانفاق وانّ قولهم
« يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ »
ناظر إلى غلق يديه في مقام الانفاق لا غيره ممّا يرجع إلى التشريع أو التكوين ، ويؤيد ذلك قولهم :
« لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ »
( آل عمران - 181 )
ومع ذلك كلّه يمكن جعل قوله تعالى « يد اللّه مغلولة » مشيرا إلى عقيدتهم العامّة الكلّية حول اللّه تعالى ، وقوله : « ينفق كيف يشاء » رد على مورد خاص من تلك العقيدة الكلّية .
ولأجل ذلك نرى انّ الإمام الصادق ( عليه السلام ) يفسّر الآية بقوله انّ ( اليهود ) : قالوا قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص ، فقال اللّه جلّ جلاله تكذيبا لقولهم :
« غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ، وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ