الحكيم كثيراً من الأُمور الخارقة للعادة إلى أنبيائه ، فلم تكن هذه النسبة إلّا لأجل أنّهم يقومون بما يقومون ، بإذنه سبحانه .
وحصيلة الكلام : التوسّل بالأسباب بقيد أنّها أسباب - سواء أكانت طبيعية أم غير طبيعية - لا يلازم الشرك ، نعم ، السبب ربما يكون سبباً واقعياً ، وأُخرى سبباً كاذباً وخاطئاً ، والاشتباه في سببية السبب لا يستلزم الاعتقاد بألوهية السبب أو ربوبيته ، أو كون الطلب منه طلب فعل اللّه من غيره .
ونعيد الكلام حتّى يتّضح الحق بأجلى مظاهره فنقول : إنّ التعلّق بالشيء والطلب منه مع الاعتقاد بالسببية ، وأنّ اللّه سبحانه أعطاه المقدرة على إنجاز المأمول يمتنع أن يتصف بالشرك ، لأنّ المفروض أنّ المتوسل إنّما تعلّق به بقيد كونه رابطاً وسبباً .
نعم يمكن أن يكون المتوسل صائباً في الاعتقاد بالسببية أو خاطئاً ، ولكن الاشتباه في الموضوع لا يكون دليلًا على الاعتقاد .
وأمّا إذا كان التعلق بالشيء لا بوصف السببية والرابطية ، بل بما أنّ المطلوب منه ، موجود مستقل في فعله وإيجاده ، يقوم بالفعل بنفسه ، ويقوم بحاجة المستنجد من صميم ذاته من دون أن يكون سبباً ورابطاً بين الإنسان وربّه ، فهذا يكون ملازماً للاعتقاد بالألوهيّة من دون نقاش .
كان اللائق بابن تيمية ونظرائه دراسة فعل اللّه سبحانه وتمييزه عن غيره ، حتّى لا يحكموا بضرس قاطع بأنّ الإعانة والإماتة والشفاعة وغيرها على الإطلاق من أفعال اللّه سبحانه ، بل الحق أنّ كلّاً من هذه الأفعال يقع
بحوث في الملل والنحل — صفحة 108
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٠٨