وتأثير ، وهذه النظرية قد شغلت بال أئمّة الأشاعرة طوال قرون ، وقد بذلوا الجهود لتبيينها فما أتوا بشيء يسكن إليه القلب .
إذ لقائل أن يسأل ويقول :
1 - إذا كان الخالق للفعل هو اللَّه سبحانه مباشرة ، ولم يكن لقدرة العبد دور فيه ، فلما ذا صار الإنسان هو المسؤول عن فعله دون اللَّه سبحانه ، مع أنّ الفعل فعله ، لا فعل الإنسان .
2 - إذا كانت القدرة الحادثة في العبد ، غير مؤثِّرة في الإيجاد والتكوين ، فما هو الغاية في إحداثها في العبد ، وإقداره على العمل ، أليس هذا عملًا لغواً غير مناسب لساحة الفاعل الحكيم ؟
3 - إذا كان قصد العبد وعزمه شرطاً لإيجاده سبحانه الفعل بعده ، فيسأل عن نفس ذاك القصد فمن خالقه ؟ فهل هو مخلوق للقاصد ، أو للَّه سبحانه ؟ فعلى الأوّل تنتقض القاعدة « لا خالق إلّا اللَّه » ويثبت في صحيفة الكون ، فعل مخلوق للعبد دونه سبحانه ، وعلى الثاني تتّحد النظرية مع نظريّة الجهميّة الّتي عرّفوها بالجبريّة الخالصة ، فإذا كان وجود العبد وقصده وقدرته غير المؤثرة فعلًا مخلوقاً للَّه سبحانه فبأيّ ذنب يدخل العاصي النّار ؟ وبأيّ عمل حسن ، يثاب المطيع ويدخل الجنّة ؟
والحاصل ، إنّ تفسير الكسب بإيجاده سبحانه فعل العبد عند عزمه وقصده ، يدور أمره بين نقض القاعدة ، أو ثبوت الجبر الخالص .
ولو تدبّر القوم في آيات الذّكر الحكيم خصوصاً في الآيات الناصّة
بحوث في الملل والنحل — صفحة 68
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٦٨