الإسلام حسب مقتضيات العقل وفلسفة اليونان ، ولهم في ذلك باع طويل ، ولا يؤمنون بأقوال أرسطو لأنّه أرسطو ، بل نرى في « الحيوان » أنّ الجاحظ يفضّل أحياناً قول أعرابيّ جاهلي بدويّ على قول أرسطو الفيلسوف الكبير .
هكذا كان منهجهم ، وهو منهج لا يناسب إلّا الخاصّة ، ولذلك لم يعتنق الاعتزال إلّا خاصّة المثقّفين ، أمّا العوام فكانوا يكرهونه .
ويقابل هذا المنهج منهج المحدِّثين ، وهو منهج يعتمد على الرواية لا على الدراية ، ولذلك كان نقدهم للحديث نقد سند لا متن ، ومتى صحّ السند صحّ المتن ولو خالف العقل ، وقلّ أن نجد حديثاً نُقد من ناحية المتن عندهم ، وإذا عُرض عليهم أمر رجعوا إلى الحديث ولو كان ظاهره لا يتّفق والعقل ، كما يتجلّى ذلك في مذهب الحنابلة .
وكان من سوء الحظّ أن تدخل المعتزلة في السياسة ولم يقتصروا على الدين ، والسياسة دائماً شائكة ، فنصرهم على ذلك المأمون والواثق والمعتصم ، وامتحنوا الناس وأكرهوهم على الاعتزال ، فكرههم العامّة واستبطلوا الإمام ابن حنبل الّذي وقف في وجههم ، فلمّا جاء المتوكّل انتصر للرأي العام ضدّهم ، وانتصر للإمام أحمد بن حنبل على الجاحظ وابن أبي دؤاد وأمثالهما ، ونكّل بهم تنكيلًا شديداً ، فبعد أن كان يتظاهر الرجل بأنّه معتزلي ، كان الرجل يعتزل ويختفي حتّى عدّ جريئاً كلّ الجراءة الزمخشري الّذي كان يتظاهر بالاعتزال ويؤلّف فيه ، ولم يكن له كلّ هذا
بحوث في الملل والنحل — صفحة 228
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٢٨