وإزهاق الباطل وقتله به يدلّ على قداسة ما كان يذهب إليه .
وعلى أيّ تقدير ؛ فهذان الرجلان ، في الطليعة من دعاة الحريّة والاختيار ، ويعدّان أسلافاً للاعتزال ولا يمتّان له بصلة غير الاشتراك في نفي الجبر والتسيير .
5 - إنّ هؤلاء الأحرار وإن رُموا بالقدرية بمعنى إنكار القضاء والقدر ، ولكنّهم كانوا بصدد إثبات الاختيار والحريّة للإنسان في مقابل الجبر وإغلال الأيدي الّذي كانت السلطة تشجّعه ، والاختيار هو الّذي بُنيت عليه الشرائع وعليه شرّعت التكاليف ، فإنكاره إنكار للأمر الضّروري .
ولكنّ السلطة لأجل إخماد ثورتهم اتّهمتهم بالقدريّة حتّى تطعن بهم أنّهم خالفوا الكتاب والسنّة الدالّين على تقدير الأشياء من جانبه سبحانه وقضائه عليها ، وأين هذه التهمة ممّا تمسّك به القوم من الدعوة إلى الاختيار والحريّة ؟
وأمّا تفسير القدريّة في حقّ هؤلاء بتفويض الإنسان إلى نفسه وأفعاله ، أنّه ليس للَّه سبحانه أي صنع في فعله فهو تفسير جديد حدث بعد هؤلاء ، وبه رُميت المعتزلة كما سيأتي الكلام فيه .
وفي الحقيقة كانت دعوة هؤلاء ردّ فعل لأسطورة الجبر الّتي كانت ذائعة في الصدر الأوّل عن طريق أهل الكتاب الّذين تلبّسوا بالإسلام ، وكانت الأكثريّة الساحقة من المسلمين يؤمنون بالقدر على وجه يجعل
بحوث في الملل والنحل — صفحة 161
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٦١