وما ذكرناه من النُّصوص يوقفنا على أُمور :
1 - إنّ القول بكون الإنسان مخيّراً لا مسيّراً يتّصل جذورها بالبيت الهاشمي . فقد عرفت أنّ معبداً الجهني كان تلميذاً لابن عبّاس ، وغيلان الدمشقي تتلمذ للحسن بن محمّد بن الحنفيّة . فما ذكره المقريزي من أنّه أخذ ذلك الرأي من أبي يونس سنسويه لا يركن إليه ، بعد ثبوت تتلمذهما لقادة الفكر من البيت الهاشمي ولعمران بن حصين الصحابي الجليل ومن أعلام أصحاب علي عليه السلام .
2 - إنّ نضال الرجلين في العهد الأموي كان ضدّ ولاة الجور الّذين كانوا يسفكون الدماء وينسبونه إلى قضاء اللَّه وقدره ، فهؤلاء الأحرار قاموا في وجههم وأنكروا القدر بالمعنى الّذي استغلّته السلطة وبرّرت به أعمالها الشنيعة ، وإلّا فمن البعيد جدّاً من مسلم واع أن ينكر القضاء والقدر الواردين في الكتاب والسنّة على وجه لا يسلب الحريّة من الإنسان ولا يجعله مكتوف الأيدي .
3 - إنّ هذا التاريخ يدلنا على أنّ رجال العيث والفساد إذا أرادوا إخفاء دعوة الصالحين اتّهموهم بالكفر والزندقة ومخالفة الكتاب والسنّة .
4 - إنّ صلب معبد الجهني بيد الحجّاج السفّاك بأمر عبد الملك أوضح دليل على أنّ الرجل كان من دعاة الإصلاح ، ولكن ثقل أمره على الطغمة الأمويّة فاستفزّوه من أديم الأرض وقطعوا جذوره بالصلب والقتل ، كما أنّ قيام غيلان في وجه هشام بن عبد الملك يعرب عن صموده في سبيل الحقّ
بحوث في الملل والنحل — صفحة 160
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٦٠