تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
وروحه كالأرض الخالية تنبت ما ألقي فيها ، وعلى هذا الأساس لا يصحّ لنا أن نقول : إنّ الصحبة والمجالسة وسماع بعض الآيات والأحاديث ، أوجدت ثورة عارمة في صحابة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأزالت شخصياتهم المكونة طيلة سنين في العصر الجاهلي ، وكونت منهم شخصيات عالية تعد مثلًا للفضل والفضيلة . مع أنّهم كانوا متفاوتين في السن ومقدار الصحبة ، مختلفين في الاستعداد والتأثر ، وحسبك أنّ بعضهم أسلم وهو صبي لم يبلغ الحلم ، وبعضهم أسلم وهو في أوّليات شبابه ، كما أسلم بعضهم في الأربعينات والخمسينات من أعمارهم ، إلى أن أسلم بعضهم وهو شيخ طاعن في السن يناهز الثمانين والتسعين . فكما أنّهم كانوا مختلفين في السن عند الانقياد للإسلام ، كذلك كانوا مختلفين أيضاً في مقدار الصحبة فبعضهم صحب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من بدء البعثة إلى لحظة الرحلة ، وبعضهم أسلم بعد البعثة وقبل الهجرة ، وكثير منهم أسلموا بعد الهجرة وربما أدركوا من الصحبة سنة أو شهراً أو أيّاماً أو ساعة ، فهل يصحّ أن نقول : إنّ صحبة ما ، قلعت ما في نفوسهم جميعاً من جذور غير صالحة وملكات ردية وكونت منهم شخصيات ممتازة أعلى وأجل من أن يقعوا في إطار التعديل والجرح ؟ ! إنّ تأثير الصحبة عند من يعتقد بعدالة الصحابة كلّهم أشبه شيء بمادة كيمياوية تستعمل في تحليل عنصر كالنحاس إلى عنصر آخر كالذهب ، فكأنّ الصحبة قلبت كلّ مصاحب إلى إنسان مثالي يتحلّى بالعدالة ، وهذا ممّا يردّه المنطق والبرهان ، وذلك لأنّ الرسول الأعظم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لم يقم بتربية الناس وتعليمهم عن طريق الإعجاز
( فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ )
« 1 » بل قام بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الحقّ وصبهم في بوتقات الكمال مستعيناً بالأساليب الطبيعية والإمكانيات الموجودة كتلاوة القرآن الكريم ، والنصيحة بكلماته النافذة ، وسلوكه القويم وبعث رسله ودعاة دينه إلى الأقطار ونحو
هامش
( 1 ) . الأنعام : 149 .