تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وهذه الآيات والأحاديث المتضافرة التي نقلها أصحاب الحديث لا تترك منتدحاً لمسلم أن ينكر القضاء والقدر ، نعم الكلام في تفسيرهما وتحديد معناهما على نحو لا يضاد ولا يخالف حاكمية اللّه واختياره أوّلًا ، ولا يزاحم حرية الإنسان وإرادته ثانياً ، إذ كما أنّ القدر والقضاء من الأُمور اليقينية ، فكذا حاكميته سبحانه واختياره ، وحرية العبد وإرادته من الأُمور اليقينية أيضاً وسوف يوافيك أنّ معنى القضاء والقدر الثابتين في الشرع ، ليس كما تصوّره أصحاب الحديث والأشاعرة : من تحكيم القدر على اختياره سبحانه ، وإرادة عباده . بل تقديره وقضاؤه لا يعني إبطال حرية الإنسان واختياره ، ولأجل كون المقام من مزال الأقدام ، نهى الإمام أمير المؤمنين البسطاء عن الخوض في القضاء والقدر ، فقال في جواب من سأله عن القدر : « طريق مظلم فلا تسلكوه ، وبحر عميق فلا تلجوه ، وسر اللّه فلا تتكلّفوه » . « 1 » ولكن كلامه عليه السَّلام متوجه إلى البسطاء من الأُمّة الذين لا يتحملون المعارف العليا ، لا إلى أهل المعرفة والنظر . ولأجل ذلك وردت جمل شافية في القضاء والقدر عن أئمّة أهل البيت عليهم السَّلام وسيوافيك شطر منها عند عرض مذهب أهل الحديث في هذا الموقف .

2 - الاعتزال والمعتزلة

المعتزلة طائفة من العدلية نشأت في أوائل القرن الثاني الهجري ، ويرجع أصلها إلى « واصل بن عطاء » تلميذ الحسن البصري ، ولهم منهج كلامي خاص وأُصول معينة اتفقوا عليها ، وسوف نرجع إلى دراسة مذهبهم بعد الفراغ من دراسة مذهب أهل الحديث أوّلًا ، والأشاعرة ثانياً ، غير أنّ الذي نركز عليه هنا هو الوقوف على وجه تسميتهم بالمعتزلة تارة ، ووصف مدرستهم بالاعتزال أُخرى ، وهناك آراء ستة نشير إلى بعضها : أ - دخل رجل على الحسن البصري ( المتوفّى عام 110 ه ) فقال : يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر ، والكبيرة عندهم
هامش
( 1 ) . شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبده : قسم الحكم ، الرقم 287 .