فيصحّ أن يوصف اللّه عزّ وجلّ نفسه بالنسخ والبداء والتردّد وإجابة الدعاء ونحوها بهذا الاعتبار ، وإن كان مثل هذه الأمور يشعر بالتغيّر والسنوح ، وهو - سبحانه - منزّه عنه ، فإنّ كلّ ما وجد أو سيوجد فهو غير خارج عن عالم ربوبيّته .
سرّ أثر المحو والإثبات
قال بعض العارفين « 1 » :
« ومن هذه الحقيقة الإلهيّة التي كنّى عنها بالتردّد انبعث التردّدات الكونيّة ، والتحيّر في النفوس ، وذلك أنّا قد نتردّد في فعل أمر ما - هل نفعله أم لا ؟ - وما زلنا نتردّد حتّى يكون أحد الأمور المتردّد فيها .
فذلك الأمر الواقع هو الثابت في اللوح من تلك الأمور ؛ وذلك أنّ القلم الكاتب في اللوح القدريّ ، يكتب أمرا ما ، وزمان الخاطر ، ثمّ يمحوه ، فيزول ذلك الخاطر ؛ لأنّ من هذا اللوح إلى النفوس رقائق ممتدّة إليها ، تحدث بحدوث الكتابة وتنقطع بمحوها ، فإذا صار الأمر ممحوّا كتب غيره ، فتمتدّ منه رقيقة إلى نفس هذا الشخص - الذي كتب هذا من أجله - فيخطر له خاطر نقيض الخاطر الأوّل ؛ وهكذا إلى أن أراد الحقّ إثباته ، فلم يمحه ؛ فيفعله الشخص أو يتركه - حسب ما ثبت في اللوح ، فإذا فعله أو تركه وانقضى محاه الحقّ من كونه محكوما بفعله ، وأثبت صورة عمل ، قبيح أو حسن ، على قدر ما يكون ؛ ثمّ إنّ القلم يكتب أمرا آخر - وهكذا إلى غير النهاية .
والموكّل بالمحو ملك كريم والإملاء عليه من الصفة الإلهيّة . ولو لم يكن الأمر كذلك لكانت الأمور كلّها حتما مقضيّا - وهذا شأن الأقلام القدريّة .
وأمّا القلم الأعلى فأثبت في اللوح المحفوظ صورة كلّ شيء يجري من
هامش
( 1 ) ملخص مما جاء في الفتوحات المكيّة : الباب السادس عشر وثلاثمائة : 3 / 61 .