[ التوحيد الأفعالي ينفي الجبر والتفويض ]
وإذا كان هذا هكذا ، فمن نظر إلى الأسباب القريبة للفعل ورآها مستقلّة ، قال بالقدر والتفويض ؛ أي بكون أفاعيلنا واقعة بقدرتنا ، مفوّضة إلينا - واللّه سبحانه أحكم من أن يهمل عبده ، ويكله إلى نفسه ، وأعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد .
ومن نظر إلى السبب الأوّل - وقطع النظر عن الأسباب القريبة مطلقا - قال بالجبر والاضطرار ، ولم يفرّق بين أعمال الإنسان وأعمال الجمادات ؛ واللّه سبحانه أعدل من أن يجبر خلقه ثمّ يعذّبهم ، وأكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون ؛ فكلاهما أعور لا يبصر بإحدى عينيه :
أمّا القدريّة فبالعين اليمنى ، أي النظر الأقوى ، الذي به يدرك الحقائق والأسباب القصوى للأشياء - كالدجّال حيث يقول « 1 » : « أنا ربّكم الأعلى » .
وأمّا الجبريّة فباليسرى ، أي الأضعف ، الذي به يدرك الظواهر والأسباب القريبة - كإبليس ، حيث قال :
رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
[ 15 / 39 ] .
وأمّا من نظر حقّ النظر ، فقلبه ذو عينين ، كآدم حيث قال :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
[ 7 / 23 ] يبصر الحقّ باليمنى ، فيضيف الأعمال كلّها إليه [ سبحانه ] :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ 4 / 78 ] ؛ ويبصر الخلق باليسرى فيثبت تأثيرهم في الأعمال ؛
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
« 2 » [ 22 / 10 ] ؛ لكن باللّه سبحانه ، لا بالاستقلال : « لا حول ولا قوّة إلّا باللّه » .
فيتحقّق بمعنى قول مولانا الصادق عليه السلام « 3 » : « لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين أمرين » فيتذهّب به - وذلك الفوز هو الكبير .
هامش
( 1 ) راجع كمال الدين : باب حديث الدجال ، 527 . عنه البحار : 52 / 194 ، ح 26 .
( 2 ) في النسخة : « ذلك بما كسبت يداك » . والصحيح ما أثبتناه .
( 3 ) مضى في ص 107 . راجع أيضا : عيون أخبار الرضا عليه السلام : الباب ( 11 ) ، 1 / 124 ، ح 11 . معاني الأخبار : باب معنى قول الصادق عليه السلام : التر تر حمران : 212 . البحار :
69 / 4 ، ح 4 .