تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
أسهل عليهم ؛ لأنّهم أهل الكلام والفصاحة المفرطة . فعدولهم إلى الأشقّ مع إفادة الأسهل دليل ظاهر على عجزهم ؛ إذ العاقل لا يختار ذلك حال قدرته واختياره . هذا مع أنّه إلى الآن لم يقدر أحد من الفصحاء والبلغاء على تركيب كلمات على منواله أو على ما يقاربه ، فيكون معجزة ، وذلك هو المطلوب .

[ علّة إعجاز القرآن ]

فائدة : اختلف في علّة إعجاز القرآن ، قيل : للصّرفة . بمعنى أنّ اللّه تعالى سلب قدرة العرب أو علومهم أو دواعيهم عن الإتيان بمثله . وقيل : لأنّه أسلوب خاصّ غير معهود لهم . وقيل : لفصاحته البالغة . وقيل : لاشتماله على الفصاحة والبلاغة والعلوم الشريفة . وهو الحقّ « 1 » وتحقيق ذلك
هامش
( 1 ) - اعلم أنّه لمّا كان القرآن الكريم هو المعجزة الخاصّة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، وآية رسالته الباقية - وإن كان قد أيّده اللّه تعالى أيضا بغيره من المعجزات والأعلام الظاهرات - اهتمّ المسلمون من الصدر الأوّل بالبحث عما يتعلّق به . ومن مهمّات ذلك البحث عن وجه إعجازه وأنّه هل هو فصاحته الخارقة العادة ؟ أو بلاغة معانيه ؟ أو نظمه الخارج عن معهود النظم في كلام سائر البلغاء ؟ أو عدم وقوع اختلاف ومناقضة فيه ؟ ومن الأقوال المعروفة في وجه إعجازه ، القول بالصّرفة الذي اختاره جمع من المتكلّمين . وقد ذكروا في تفسيره احتمالات : الأوّل : أنّ المراد به أنّ اللّه صرف دواعي أهل اللسان عن معارضته مع حصول تلك الدواعي لهم . وهو اختيار المفيد حيث قال : إنّ جهة إعجاز القرآن هو الصّرف من اللّه تعالى لأهل الفصاحة واللسان عن معارضة النبيّ صلى اللّه عليه وآله بمثله في النظام عند تحدّيه لهم ، وجعل انصرافهم عن الإتيان بمثله - وإن كان في مقدورهم - دليلا على نبوّته . أوائل المقالات : 68 . الثاني : أنّ اللّه تعالى سلب عنهم العلوم التي كانوا يتمكّنون بها عن معارضة القرآن ويتأتّى لهم الفصاحة المماثلة لفصاحته . وهذا هو الذي اختاره السيّد المرتضى ، قال : إنّ وجه دلالة القرآن على النبوّة أنّ اللّه تعالى صرف العرب عن معارضته ، وسلبهم العلم الذي به يتمكّنون من مماثلة في نظمه وفصاحته ، ولولا هذا الصرف لعارضوا . وإلى هذا الوجه أذهب ، وله نصرت في كتابي المعروف ب « الموضح عن جهة إعجاز القرآن » . الذخيرة في علم الكلام : 378 . وقال الشيخ الطوسيّ : إنّ جهة إعجازه اختصاصه بالعلوم التي يأتي منه بها هذه الفصاحة . الاقتصاد ، للشيخ الطوسيّ : 156 . وقال العلّامة الحلّيّ : إنّ جهة إعجازه هو الفصاحة والأسلوب معا . كشف المراد : 281 . وقال كمال الدين ميثم : الحقّ أنّ وجه الإعجاز هو مجموع الأمور الثلاثة ، وهي : الفصاحة البالغة ، والأسلوب ، والاشتمال على العلوم الشريفة . قواعد المرام في علم الكلام : 132 . وقد ذكروا في وجه إعجاز القرآن أمورا آخر ، كخلوّه من التناقض ، وعدم الاختلاف فيه ، وتأثيره في النفوس ، وإخباره بالمغيبات ، واشتماله على العلوم التي لا يبلغ إليها الأفراد العاديّة . ويمكن أن يكون جميع ذلك أوجها لإعجاز القرآن الكريم .
الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 153 | المقداد السيوري