تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . ) — صفحة 601

مساهمون:

ص٦٠١
وبالإيمان ولا يقر بشيء من شرائع الإيمان فمات أهو مؤمن ؟ قال : نعم « 1 » قلت له : ولو لم يعلم شيئا ولم يعمل به إلا أنه مقر بالإيمان فمات . قال : هو مؤمن . قلت لأبي حنيفة : أخبرني عن الإيمان . قال : أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وتشهد بملائكته وكتبه ورسله وجنته وناره وقيامته وخيره وشره وتشهد أنه لم يفوض الأعمال إلى أحد . والناس صائرون إلى ما خلقوا له ، وإلى ما جرت به المقادير فقلت له : أرأيت إن أقر بهذا كله لكنه قال : المشيئة إلى أن شئت آمنت وإن شئت لم أومن لقوله تعالى :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
[ الكهف : 29 ] . فقال : كذب في زعمه ، ألا ترى إلى قوله تعالى :
كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ( 54 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 55 ) وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ المدّثّر : 54 - 56 ] . وقال تعالى :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الإنسان : 30 ] « 2 » وقوله تعالى :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
[ الكهف : 29 ] هذا وعيد ، وبهذا لم يكفر ، لأنه لم يرد الآية ، وإنما أخطأ في تأويلها ولم يرد به تنزيلها قلت له إن قال إن أصابتني مصيبة ( فسئلت ) أي مما ابتلاني اللّه بها أو هي مما اكتسبت ( أجبت قائلا ) ليست هي مما ابتلاني اللّه بها أيكفر ؟ قال : لا ، قلت : ولم ؟ قال : لأن اللّه تعالى قال :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
[ النّساء : 79 ] . أي بذنبك وأنا قدرته عليك . وقال :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
[ الشّورى : 30 ] - أي بذنوبكم - وقال تعالى :
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ النّحل : 93 ] ، قال : إلا أنه أخطأ في التأويل ، ومعنى قوله :
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
[ الأنفال : 24 ] أي بين المؤمن والكفر ، وبين الكافر والإيمان .
هامش
( 1 ) يعني حيث لم يبلغه الشرع في دار الشرك ، وأما الإيمان باللّه فدليل العقل كاف في وجوبه عنده قال اللّه تعالى :إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ[ النّساء : 48 ] ولم يقيد ذلك بزمان ولامكان ، وأما الأحكام فلا يعذب بها إلا بعد تبليغها ( ز ) . ( 2 ) ومن مقتضى حكمة الحكيم الخبير خلق العبد شائيا مختارا في أفعاله التكليفية ، وشمول المشيئة الأزلية لتلك الأفعال لا يخرجها عن كونها اختيارية لتعذر انقلاب الحقائق وقد دلت النصوص على اختيار العبد وشمول المشيئة الأزلية . قال اللّه تعالى :لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها[ البقرة : 286 ] وقال :وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ[ الإنسان : 30 ] وهذا هو الجمع بين النصوص ، وقد سأل أبو حنيفة زيد بن علي الشهيد أقدر اللّه المعاصي ؟ فقال : أفيعصى قهرا ؟ ! والتقدير والمشيئة والعلم متواردة عليها ، والتقدير والمشيئة على وفق العلم ( ز ) .
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . ) — صفحة 601 | الشيخ محمد زاهد الكوثري