تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . ) — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
يكونوا يهودا أو نصارى ، وكذلك كان المنافقون على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان المسلمون يسمونهم مؤمنين بما يظهرون لهم من الإقرار ، وهم عند اللّه كفار بما في القلوب من التكذيب ، فمن هاهنا أنا نسمي أناسا مؤمنين بما يظهر لنا منهم ، وعسى أن يكونوا عند اللّه كفارا ، وآخرين نسميهم كفارا بما يظهرون لنا من زي الكفار من غير أن يكون فيهم شيء من زي المؤمنين وعسى أن يكونوا عند اللّه تعالى مؤمنين من قبل إيمانهم باللّه ، ويصلون من غير أن نعلم ذلك منهم . فلا يؤاخذنا اللّه سبحانه وتعالى بذلك ؛ لأنه لم يكلفنا علم القلوب والسرائر ، وإنما كلفنا ربنا أن نسمي الناس مؤمنين ونحبهم ونبغضهم على ما يظهر لنا منهم ، واللّه أعلم بالسرائر ، وهكذا أمر الكرام الكاتبين أن يكتبوا ما يظهر لهم من الناس ، وليسوا من القلوب بسبيل لأن ما في القلوب لا يعلمه أحد إلا اللّه أو رسول يوحى إليه فمن ادعى علم ما في القلوب بغير وحي فقد ادعى علم رب العالمين ، ومن زعم أنه يعلم بما في القلوب وغير القلوب ما يعلم رب العالمين فقد أتى بعظيمة واستوجب النار والكفر . قال المتعلم رحمه اللّه : قد وصفت العدل . ولكن أخبرني من أين جاء أصل الإرجاء وما تفسيره ومن الذي يؤخر ويرجأ أمره ؟ . قال العالم رضي اللّه عنه : جاء أصل الإرجاء من قبل الملائكة حيث عرض اللّه عليهم الأسماء ثم قال لهم :
أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ
[ البقرة : 31 ] فخافت الملائكة الخطأ إن تكلموا بغير علم تعسفا فوقفت وقالت :
سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا
[ البقرة : 32 ] ولم يبتدعوا . كالرجل الذي يسأل عن الأمر الذي هو به جاهل ، فيتكلم فيه ولا يبالي ، فإن لم يصب فهو مخطئ ، وإن أصاب فهو غير محمود ، لأنه قال تعسفا بغير علم . ولذلك قال اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
[ الإسراء : 36 ] . أي لا تقل ما لم تعلمه يقينا وقال :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
[ الإسراء : 36 ] . فلم يرخص لرسوله أن يتكلم أو يعادي أو يقذف إنسانا بالبهتان بالظن من غير يقين . فكيف يصنع أناس يعادون ويعيبون آخرين ، بالظن من غير يقين ، وتفسير الوقوف أنه إذا سئلت عن أمر لا تعلمه من حرام أو حلال أو أنباء من كان قبلنا قلت : اللّه أعلم به . إذا جاء ثلاثة نفر بحديث لا نعلمه ولا نطيق علم ذلك بالتجارب والمقاييس ترد علم ذلك إلى اللّه تعالى وتقف . ومن تفسير الإرجاء أنه إذا كنت في قوم على أمر حسن جميل وفارقتهم على ذلك ثم بلغك أنهم صاروا فريقين يقاتل بعضهم بعضا فانتهيت إليهم ، وهم على الأصل الذي فارقتهم عليه وقتل بعضهم بعضا فتسألهم فيقول كل واحد من الفريقين إنه هو المظلوم ، وليس