تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . ) — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
جوابهم ، وعرفت أنّ للحق من يعبر عنه ، وليس الحق بمنقوض والباطل مزهوق به ، وكرهت أيضا لنفسي الجهالة بأصل الدين وما انتحل من الحق وأن تكون منزلتي في أصل ما أدعي كمنزلة الصبي المتعلم الذي لا علم له بأصل ما يتكلم به ، أو كمنزلة المبرسم أو المجنون الذي يهذي بما ينقض على نفسه ويشين به نفسه ، فأجبت أصلحك اللّه تعالى أن أكون عالما بأصل ما انتحل من الحق وأتكلم به حتى إذا جاءني مارد يتمرد علي ، أو يريد أن يزيلني عن الحق لم يطق ، وإن جاءني متعلم أوضحت له وأكون على بصيرة من أمري . وقال العالم : نعم ما رأيت في ابتحاثك عما يغنيك ، واعلم أن العمل تبع للعلم كما أن الأعضاء تبع للبصر ، فالعلم مع العمل اليسير أنفع من الجهل مع العمل الكثير ، ومثل ذلك الزاد القليل الذي لا بد منه في المفازة مع الهداية بها أنفع من الجهل مع الزاد الكثير ، ولذلك قال اللّه تعالى :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
[ الزّمر : 9 ] و
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
[ الرّعد : 19 ] . قال المتعلم : لقد زدتني في طلب العلم رغبة ، فأما قول الأصناف فإني سأبدأ بأدناهم منزلة عندي إن شاء اللّه تعالى ، فأخبرني بالحجج عليهم رأيت أقواما يقولون لا تدخلن هذه المداخل فإن أصحاب نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يدخلوا في شيء من هذه الأمور وقد يسعك ما وسعهم . وأن هؤلاء زادوني غما ، ووجدت مثلهم كمثل رجل في نهر عظيم كثير الماء كاد أن يغرق من قبل جهله بالمخاضة فيقول له آخر : أثبت مكانك ولا تطلبن المخاضة . قال العالم رحمه اللّه : أراك قد أبصرت بعض عيوبهم والحجة عليهم ، ولكن قل لهم إذا قالوا ألا يسعك ما وسع أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم : بلى يسعني ما وسعهم لو كنت بمنزلتهم ، وليس بحضرتي مثل الذي كان بحضرتهم ، وقد ابتلينا بمن يطعن علينا ويستحل الدماء منا ، فلا يسعنا أن لا نعلم من المخطئ منا والمصيب ؟ وأن لا نذب عن أنفسنا وحرمنا . فمثل أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم كقوم ليس بحضرتهم من يقاتلهم فلا يتكلفون السلاح ، ونحن قد ابتلينا بمن يطعن علينا ويستحل الدماء منا ، مع أن الرجل إذا كفّ لسانه عن الكلام فيما اختلف فيه الناس وقد سمع ذلك لم يطق أن يكف قلبه ، لأنه لا بد للقلب من أن يكره أحد الأمرين أو الأمرين جميعا . فأما إن يحبهما وهما مختلفان فهذا لا يكون ، فإذا مال القلب إلى الجور أحبّ أهله . وإذا أحبّ القوم كان منهم ، وإذا مال القلب إلى الحق وأهله كان لهم وليا ، وذلك بأن تحقيق الأعمال والكلام لا يكون إلا من قبل القلب ، وذلك أن من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لم يكن عند اللّه مؤمنا . ومن آمن بقلبه ولم يتكلم بلسانه كان عند اللّه مؤمنا .
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . ) — صفحة 572 | الشيخ محمد زاهد الكوثري