فان السفر طويل والزاد قليل .
ثم إذا حصل الزاد بإعانتك فالشقة شاسعة والطرق كثيرة ، فلا طريق الا أن يطلب الطريق ممن هو بارشاد السالكين حقيق ، فقال
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
.
ثم إنه لا بد لسالك الطريق الطويل من رفيق ودليل ، فقال :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
، فالأنبياء أدلاء والصديقون والشهداء والصالحون رفقاء ،
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
، لان الحجب قسمان : نارية هي الدنيا وما فيها ، ونورية وهي ما سواها « 1 » .
ومنهم : الامام المذكور ، حيث قال في الفصل السادس من القسم الثاني في تفسير سورة الفاتحة ، قال : أعظم المخلوقات جلالة ومهابة المكان والزمان ، أما المكان فهو الفضاء الذي لا نهاية له ، والخلاء الذي لا غاية له .
وأما الزمان ، فهو الامتداد المتوهم الخارج من قعر ظلمات عالم الأزل إلى ظلمات عالم الأبد ، كأنه نهر خرج من قعر جبل الأزل ، وامتد ودخل في قعر جبل الأبد ، فلا يعرف لانفجاره مبدأ ، ولا لاستقراره منزل ، فالأول والاخر صفة الزمان ، والظاهر والباطن صفة المكان ، وكمال هذه الأربعة الرّحمن الرّحيم .
فالحق سبحانه وسع المكان ظاهرا وباطنا ، ووسع الزمان أولا وآخرا ، وإذا كان مدبر الزمان والمكان هو الحق سبحانه ، كان هو منزها عن الزمان والمكان .
إذا عرفت هذا ، فنقول : الحق سبحانه له عرش وكرسي وراءه ، فعقد المكان بالكرسي ، فقال
« وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ »
وعقد الزمان بالعرش فقال
« وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ »
لان جري الزمان يشبه جري المكان ، ولامكان وراء الكرسي ، ولا زمان وراء العرش ، فالعلو صفة الكرسي ، وهو قوله
« وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ »
والعظمة صفة العرش ، وهو قوله تعالى
« وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
هامش
( 1 ) التفسير الكبير 1 / 289 - 290 .