تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
وما ذكرناه غيض من فيض ممّا جرى بين الصحابة من المنازعات والخلافات الناشئة من روح القبلية ، والتعصّب العشائري . أفهل يجوز في منطق العقل ترك هذا المجتمع ، الغارق في نزاعاته العصبية ، دون نصب قائد ، يكون نصبه قاطعا لدابر الاختلاف ، ومانعا من مأساة التمزّق والتفرق ؟ فاقض ما أنت قاض . وهاهنا محاسبة ثالثة لا تقلّ عن العاملين السابقين في استلزامها كون المصلحة تقتضي نصب القائد ، لا تفويض الأمر إلى المسلمين أنفسهم ، وهي ما يلي :

الثالث - الصحابة ومدى الوعي الديني

إنّ الأمّة الإسلامية - كما يدلّ عليه التاريخ - لم تبلغ في القدرة على تدبير أمورها . وإدارة شؤونها حدّ الاكتفاء الذاتي الذي لا تحتاج معه إلى نصب قائد لها من جانب اللّه سبحانه . وقد كان عدم بلوغهم هذا الحدّ أمرا طبيعيا لأنّه من غير الممكن تربية أمّة كانت متوغلة في العادات الوحشية ، والعلاقات الجاهلية ، والنهوض بها إلى حدّ تصير أمّة كاملة تدفع عن نفسها تلك الرواسب ، وتستغني عن نصب القائد المحنّك ، والرئيس المدبّر ، بل هي تقدر على تشخيص مصالحها في هذا المجال . إنّ إعداد مثل هذه الجماعة ، ومثل هذه الأمّة ، لا تتم في العادة إلّا بعد انقضاء جيل أو جيلين ، وبعد مرور زمن طويل يكفي لتغلغل التربية الإسلامية إلى أعماق تلك الأمّة ، بحيث تختلط مفاهيم الدين بدمها وعروقها ، وتتمكن منها العقيدة إلى درجة تحفظها من التذبذب والتراجع إلى الوراء . ويكفيك شاهدا على هذا ، معركة أحد ، فقد هرب المسلمون - إلّا قليل - من ساحة المعركة عندما أذيع نبأ قتل النبي من جانب الأعداء ، ولاذ بعضهم بالجبل ، بل فكّر بعضهم بالتفاوض مع المشركين ، حتى أتاهم أحد المقاتلين ووبّخهم على فرارهم وتخاذلهم وترددهم قائلا : « إن كان محمد قد مات ، فربّ