تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
صرت نظرة لو صادف جوز دارع غدا والعواصي من دم الجوف تنعر « 1 » . فإن جعل من « صير » يكون بمعنى « أملهنّ إليك » ، ويجب عند ذلك تقدير كلمة اقطعهن ، لدلالة ظاهر الكلام عليه ، فيكون معنى الآية : أملهن إليك ، فقطّعهنّ ، ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ، مثل قوله :
اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ ، فَانْفَلَقَ
« 2 » ، أي فضرب فانفلق . وإن جعل من « صري » ، تكون الكلمة متضمنة معنى الميل بقرينة تعدّيها ب « إلى » ، فيكون المعنى : اقطعهن متمايلات إليك ، كتمايل كل طير إلى صاحبه . وعلى كل تقدير ، فالآية تدل على أنّ إبراهيم قطّعهن وخلط أجزائهن ، ثم فرقها على الجبال ، ثم دعاهن ، فأتينه سعيا . ومن غريب التفسير ، ما ذكره صاحب المنار فقال في معنى الآية ما حاصله : خذ أربعة من الطّير فضمها إليك ، وآنسها بك ، حتى تستأنس وتصير بحيث تجيب دعوتك إذا دعوتها ، فإن الطيور من أشدّ الحيوانات استعدادا لذلك ، ثم اجعل كل واحد منها على جبل ، ثم ادعها ، فإنها تسرع إليك من غير أن يمنعها تفرق أمكنتها وبعدها ، كذلك أمر ربك إذا أراد إحياء الموتى ، يدعوهم لكلمة التكوين : « كونوا أحياء » ، فيكونون أحياء ، كما كان شأنه في بدء الخلقة ، ذلك إذ قال للسماوات والأرض :
ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
« 3 » قال : والدليل على ذلك من الآية قوله تعالى :
فَصُرْهُنَّ
، فإن معناه « أملهن » ، أي أوجد ميلا بها ، وآنسها بك ويشهد به تعديته بإلى ، فإنّ صار إذا تعدى بإلى كان بمعنى الإمالة » « 4 » .
هامش
( 1 ) معاني القرآن : ج 1 ص 174 . الشعر : « صرت نظرة » : أي قطعت نظرة ، أي فعلت ذلك ، والجوز وسط الشيء والعواصي جمع العاصي وهو العرق ، ويقال نعر العرق : فار منه الدم . ( 2 ) سورة الشعراء : الآية 63 . . ( 3 ) سورة فصلت : الآية 11 . ( 4 ) لاحظ تفسير المنار ، ج 3 ، ص 55 - 58 : وذكر وجوها في دعم هذه النظرية التي نقلها عن أبي مسلم ، وقد استحسنها في آخر كلامه وقال « وللّه درّ أبي مسلم ، ما أدقّ فهمه وأشدّ استقلاله فيه » .