تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
يقول الشيخ الرئيس في هذا المجال : « إذا بلغك أنّ عارفا أطاق بقوته فعلا ، أو تحريكا ، أو حركة تخرج عن وسع مثله ، فلا تتلقه بكل ذلك الاستنكار ، فلقد تجد إلى سببه سبيلا في اعتبارك مذاهب الطبيعة . . . وإذا بلغك أنّ عارفا حدّث عن غيب فأصاب ، متقدما ببشرى أو نذير ، فصدّق ولا يتعسّرن عليك الإيمان به ، فإنّ لذلك في مذاهب الطبيعة أسبابا معلومة » « 1 » . ويقول صدر المتألّهين : « لا عجب أن يكون لبعض النفوس قوة إلهية ، فيطيعها العنصر في العالم المادي ، كإطاعة بدنه إياها . فكلّما ازدادت النفس تجرّدا وتشبّها بالمبادي القصوى ، ازدادت قوة وتأثيرا فيما دونها . فإذا صار مجرّد التصوّر سببا لحدوث هذه التغيرات ( طاعة البدن للنفس ) في هيولى البدن ، لأجل علاقة طبيعية وتعلّق جبلّي لها إليه ، لكان ينبغي أن يؤثّر في هيولى العالم مثل هذا التأثير ، لأجل اهتزاز علويّ للنفس ، ومحبة إلهية لها ، فتؤثّر نفسه في الأشياء » « 2 » . ويدلّ على أنّ خوارق العادة رهن فعل النفس الإنسانية ، ما ينقله تعالى من أفعال السحرة الواقعة بإذنه تعالى ، وذلك في قوله عزّ من قائل :
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
« 3 » . وهناك من الآيات ما هو أصرح منها في نسبة الخوارق إلى أصحاب النفوس القوية ، كما ورد في أحوال سليمان النبي عندما طلب من الملأ إحضار عرش ملكة سبأ من اليمن إلى فلسطين قبل أن يأتوه مسلمين . فقال عفريت من الجن إنّه قادر على حمله والإتيان به قبل انفضاض مجلس سليمان ، ولكن من كان عنده علم من الكتاب قال إنّه قادر على الإتيان به قبل أن يرتد طرف سليمان إليه ، وبالفعل ، بأسرع من لمح البصر ، كان العرش ماثلا أمامه .
هامش
( 1 ) الإشارات والتنبيهات ، مع شرح المحقق الطوسي ج 3 ص 397 . وبعدها أخذ الماتن والشارح ببيان قدرة النفس على الأمور الخارقة للعادة . ( 2 ) المبدأ والمعاد ، ص 355 - بتصرف . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 102 .