تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦

القول الثاني - إنّها علل مادية غير متعارفة

وهنا احتمال ثان ، وهو أن تكون العلّة المحدثة للمعجزة ، علة مادية غير متعارفة ، اطّلع عليها الأنبياء في ظلّ اتصالهم بعالم الغيب . ولا بعد في أن يكون للشيء علتان ، إحداهما يعرفها الناس ، والثانية يعرفها جمع خاص فيهم . ويمكن تقريب ذلك بملاحظة إثمار الأشجار ، فإنّ له علة مادية يعرفها الزارع العادي ، فتثمر في ظل تلك العلة بعد عدّة أعوام . وهناك خبراء من مهندسي الزراعة واقفون على خصوصيات في التربة والأشجار والبيئة والمياه وغير ذلك ، توجب إثمار الأشجار في نصف تلك المدة مثلا . فإذا كان هذا ملموسا لنا في الحياة ، فلا نستبعد أن يقف الأنبياء المتصلون بخالق الطبيعة . على أسرار ورموز فيها ، يقدرون بها على إيجاد المعاجز . ولكنه قول لا يدعمه دليل .

القول الثالث - إنّها الملائكة والموجودات المجردة

وهنا احتمال ثالث وهو أنّ المعاجز تتحقق بفعل الملائكة - التي يعرّفها القرآن ب « المدبّرات » « 1 » ، بأمر منه سبحانه ، عند إرادة النبي إثبات نبوته بها « 2 » .
هامش
التجدد والحدوث ، ممّا لا تتقبله الأصول الفلسفية المبتنية على لزوم وجود السنخية بين العلّة والمعلول ، سنخية ظلية لا توليدية . وهذا مفقود بينه سبحانه ، والزمان والزمانيات التي طبعت على التجدد والتقضي . وهذا هو البحث الذي طرحه الفلاسفة عند بحثهم عن ارتباط الحادث بالقديم ، وهو من مشكلات البحوث الفلسفية . ولا ينافي هذا عموم القدرة ، فإنّ عمومها أمر ثابت ومسلّم ، إلّا أنّ الشيء ربما لا يقبل الوجود إلّا عن طريق أسباب وعلل مادية ، أي يكون وجوده على نحو لا يتحقق إلّا في ظل علل مادية . وهذا - من باب التقريب - كالأرقام الرياضية ، فإنّ العدد خمسة - بوصف أنّه خمسة - لا يتحقق إلّا بعد تحقق الأربعة ، ويستحيل تحققه - بهذا الوصف - استقلالا بلا تحقق آحاد قبله . وهذا كصدور الأكل من إنسان معين ، فإنّ الأكل يتوقف على وجود أسباب وأدوات مادية ، كالفم واللسان والأسنان ، وعملية المضغ ثم البلع . وهذا النوع من الفعل لا يمكن أن ينسب إلى اللّه سبحانه نسبة مباشرية ، وإنّما ينسب إليه دائما نسبة تسبيبيّة ، لأن ماهيته محاطة بالأمور المادية . ( 1 ) وهو قوله تعالى في سورة النازعات :فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراًالآية 5 . ( 2 ) ولعلّ من هذا القبيل تمثل الروح الأمين على السيدة مريم ، كما في قوله سبحانه :فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا( سورة مريم : الآية 17 ) .