تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
على عموم رسالته ، لكل من بلغته ، فإنّه يقول :
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ
« 1 » . وأمّا حلا ، فعين ما تقدّم في سابقه ، من أنّ طبيعة الدعوة ، ربما تقتضي توجيه الكلام إلى طائفة خاصة ، وإن كانت الدعوة عالمية . شبهة ثالثة - وربما يستدلّ بقوله سبحانه :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ، فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
« 2 » ، على تحديد رسالته ، بتوهّم أنّ معنى الآية أنّ كل رسول يوافق لسانه لسان من أرسل إليهم . وأنت خبير بأنّه تفسير خاطئ ، فمعنى الآية هو موافقة لغة الرسول لسان قومه ، لا اتحاد لغته مع لسان كل من أرسل إليهم ، فمن الممكن أن يكون المرسل إليهم أوسع من قوم الرسول ، فهذا إبراهيم دعا عرب الحجاز إلى الحج وهو ليس منهم . وهذا الكليم دعا فرعون إلى الإيمان ، وهو عبري والمرسل إليه قبطي . شبهة رابعة - وربما يستدل أيضا ، بقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ ، مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
« 3 » ، على تحديد رسالته . وحاصل الاستدلال هو أنّ المتبادر من الآية هو نجاة أصحاب الشرائع السابقة حتى بعد بعثة الرسول الأكرم ، إذا كانوا مؤمنين باللّه واليوم الآخر وعملوا صالحا . فهذه الآية تعطي الضوء الأخضر لنجاة اليهود والنصارى والصابئين إذا كانوا ملتزمين بهذه الشروط ، وإن لم يعتنقوا رسالة الرسول الأعظم ، أو لم يعملوا بأحكامه وتشريعاته . وهذا لا يجتمع مع القول بأنّ رسالته عالمية يجب على كلّ الناس اعتناقها .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : الآية 19 . ( 2 ) سورة إبراهيم : الآية 4 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 62 . ولاحظ المائدة : الآية 69 .
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 478 | الشيخ جعفر السبحاني