أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ
« 1 » ، ثم ما أتبع قوله هذا بذكر يوم القيامة وبيان أوصافها وعظيم أهوالها بقوله :
يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
« 2 » .
فأين هو من قول القائل : « الفيل ، ما الفيل ، وما أدراك ما الفيل ، له ذنب وبيل ، وخرطوم طويل » . فإنّ مثل هذه الفاتحة تجعل مقدّمة لأمر عظيم الشأن متناه الغاية ، فإذا بالمعارض يجعله مقدمة لذكر الذّنب والمشفر ، ويتصور أنّه تحققت المعارضة ، ويا ليته أتبع تلك المقدمة ، بما أعطيت هذه البهيمة العجماء من الذهن والفطنة التي به تفهم سائسها ما تريده ، فلعلّه كان أقرب إلى مقصوده ! ! .
الشك في صحة نسبة هذه المعارضات
وهناك احتمال بأن لا تكون هذه الكلمات قد وضعت ليعارض بها القرآن ، وإنّما وضعها أعداء مسيلمة للتفكّه والسّمر ، أو وضعت لغاية دينية وهي تأكيد إعجاز القرآن عندما تقارن هذه المفتريات إلى الآيات الباهرة في الكتاب العزيز .
مع أنّ إعجاز القرآن ليس في حاجة إلى مثل هذا بعد ما سكت فحول البلاغة عن معارضته .
وممّا يثير الشكّ في كون مسيلمة قائل هذه الجمل التافهة ، ما أثر عنه من بعض الكلمات التي هي في البلاغة بمكان عال ، كقوله عندما اجتمع مع سجاح التميمية : « هل لك أن أتزوّجك فآكل بقومي وقومك العرب ؟ » « 3 » . فإن هذه الكلمة تدلّ على مكانة الرجل في الفصاحة وجميل التأتي لما يريد . فخيّل لسجاح أنّه سيأكل بقومه وقومها العرب ، وهل كانت تقصد سجاح غير هذا ؟ وهل كان يقصد من اتبعوها إلّا أكل العرب والاستيلاء عليهم ؟ فإذا قارنّا بين كلمته هذه ،
هامش
( 1 ) سورة القارعة : الآيات 1 - 3 .
( 2 ) سورة القارعة : الآيتان 4 و 5 .
( 3 ) تاريخ الطبري ، ج 2 ، ص 499 .