عنده ، وقال الأحنف لعمّه . « كيف رأيته ؟ » ، قال : « ليس بمتنبئ صادق ، ولا بكذّاب حاذق » « 1 » .
ما هي حقيقة المعارضة ؟
معنى المعارضة أنّ الرجل إذا أنشأ خطبة أو قال شعرا ، يجيء الآخر فيجاريه في لفظه ويباريه في معناه ليوازن بين الكلامين ، فيحكم بالفلج على أحد الطرفين . وليس معنى المعارضة أن يأخذ من أطراف كلام خصمه ، ثم يبدل كلمة مكان كلمة ، فيصل بعضه ببعض وصل ترقيع وتلفيق ، كما وقع في ذاك الكلام المنسوب إلى مسيلمة . وها نحن نأتي ببعض المعارضات التي وقعت في العصر الجاهلي بين شاعرين كبيرين ، فهذا النابغة الذبياني يصف ليله في أشعاره المعروفة التي يعتذر فيها للنعمان ، ويقول :
كليني لهمّ يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض * وليس الذي يرعى النجوم بآئب
بصدر أراح الليل عازب همّه * تضاعف فيه الحزن من كل جانب
ونرى أنّ امرئ القيس يقول في نفس الموضوع :
وليل كموج البحر أرخى سدوله * عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه * وأردف أعجاز وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي * بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فيا لك من ليل كأن نجومه * بكل مغار الفتل شدّت بيذبل
هذه هي حقيقة المعارضة ؛ فقول النابغة متناه في الحسن ، بليغ في وصف ما شكاه من همّه وطول ليله ، ويقال إنّه لم يتبدئ شاعر قصيدة بأحسن من هذا الكلام ، خصوصا قوله : « بصدر أراح الليل عازب همّه » . وهو كلام مطبوع سهل يجمع البلاغة والعذوبة . إلّا أنّ في أبيات امرئ القيس من ثقافة الصنعة ،
هامش
( 1 ) لاحظ ما نسب إليه في تاريخ الطبري ، ج 2 ، ص 498 - 499 ، وص 506 .