تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
وحسن التشبيه ، وإبداع المعاني ، ما ليس في أبيات النابغة ، إذ جعل لليل صلبا وأعجازا وكلكلا ، وشبّه تراكم ظلمة الليل بموج البحر في تلاطمه عند ركوب بعضه بعضا ، وجعل النجوم كأنّها مشدودة بحبال وثيقة ، فهي راكدة لا تزول ولا تبرح ، وجعل يتمنى تصرّم الليل بعود الصبح لما يرجو فيه من الرّوح ، ثم ارتجع ما أعطى واستدرك ما كان قدّمه وأمضاه ، فزعم أنّ البلوى أعظم من أن يكون لها في شيء من الأوقات كشف وانجلاء . . . إلى آخر ما في شعره من النكات . فبمثل هذه الأمور تعتبر المعارضة ، فيقع بها الفضل بين الكلامين ، من تقديم لأحدهما ، أو تأخير ، أو تسوية بينهما . لا بمثل ما أتى به هؤلاء المهزّلون ، من الاكتفاء بالوزن والفواصل ، من دون نظر إلى المعاني . وهذا هو السائد في كل المعارضات التي نسبت إلى المعارضين . وللمعارضة صور أخرى ذكرها الخطابي في بيان إعجاز القرآن « 1 » .

مثال آخر

نرى أنّ جريرا يمدح بني تميم ويعرفهم بأنّهم كل الناس ، في قوله :
إذا غضبت عليك بنو تميم * حسبت الناس كلّهم غضابا
ويقول أبو نواس في هذا الصدد :
ليس على اللّه بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد
وقد زاد عليه أبو نواس زيادة رشيقة ، وذلك أنّ جريرا جعل الناس كلّهم بني تميم ، ولكنّ أبا نواس جعل العالم كلّهم في واحد . فكان ما قاله أبلغ وأدخل في المدح والإعظام « 2 » . إذا ظهرت لك حقيقة المعارضة ، فانظر إلى قوله سبحانه :
الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ
« 3 » . وقوله سبحانه :
الْقارِعَةُ * مَا الْقارِعَةُ * وَما
هامش
( 1 ) بيان إعجاز القرآن ، ص 52 - 60 . ( 2 ) لاحظ الطراز ، ص 202 - 203 . ( 3 ) سورة الحاقة : الآيات 1 - 3 .