تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ
« 1 » . فلما سمع ذلك قام حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال : « واللّه لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، وإنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمغدق ، وإنّه ليعلو وما يعلى عليه » . ثم انصرف إلى منزله « 2 » ولعلّ الوليد أوّل من تنبّه إلى عظمة القرآن وآي الذكر الحكيم ، وهو من بلغاء عصر الوحي وزمن نزوله ، ومن شيوخ قريش وعوارف العرب في الأدب الجاهلي ، والخبراء بصناعة الإنشاء ، ومن هذه المنطلقات جاءت كلمته المأثورة تلك ، سبيكة مرصعة ، تعدّ أول تقريظ ناله القرآن من خبراء عصره ومصره ، وإن حمله المحدثون إلينا عاريا عن التفسير . ولعمري إنّها شهادة من الخبير العدو ، الذي التجأ إلى الاعتراف بدافع من ضميره ، وإن أثر عنه تفسير آخر للقرآن الكريم دفعه إليه تعلقه بدين آبائه وسنن قومه ، سيوافيك نقله . ولأجل كون هذه الكلمة من أستاذ البلاغة ، كلمة شارحة لوجهة إعجاز القرآن في عصر الرسالة ، نشرح بعض جملها . 1 - قوله : « ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ » . معناه أنّ المعروف من كلام الإنس المنثور ، سبك العبارات غير مقيدة بالأسجاع والقوافي ، فإذا أتوا بهما على عفو الخاطر ، لم يلتزموا بها متقاربة قصيرة الخطوات ، بخلاف كلمات الجن التي سمعوها على ألسنة الكهنة كعبارات مجملة صغيرة الحجم ، كثيرة المقاطع مقرونة بأسجاع وقوافي ، وعليها مسحة من غرابة الألفاظ ومجانسة الحروف وغموض المعاني « 3 » . فلوّح الوليد إلى أنّ هذا القرآن ليس من هذا القبيل ؛ لا هو على أساليب
هامش
( 1 ) سورة غافر : الآيات 1 - 6 . ( 2 ) مجمع البيان ، ج 5 ، ص 387 . ( 3 ) سنذكر فيما يأتي نماذج من كلمات سطيح الكاهن الذي كان يتكلم عن لسان الجن .